تعز تخوض معركة اليمن كله.. إن ما يجري في تعز ليس مجرد معركة عسكرية لتحرير محافظة أو استعادة مدينة، بل هو معركة وطنية وفكرية شاملة، يخوضها أبناء اليمن عامة، وأبناء تعز على وجه الخصوص، دفاعاً عن الجمهورية والهوية الوطنية والدولة ومؤسساتها، في مواجهة جماعة الحوثي ومشروعها القائم على السلاح والإقصاء وفرض الأيديولوجيا بالقوة.
من يراقب طبيعة المواجهة في تعز يدرك أنها حرب متعددة الجبهات والأدوار؛ فأبناء تعز حاضرون في ميادين القتال بمختلف جبهات الجمهورية، بينما يتحملون العبء الأكبر في جبهات محافظتهم، ولا يحضر من أبناء المحافظات الأخرى فيها إلا عدد محدود مقارنة بحجم التضحيات التعزية. ومع ذلك، فإن معركة تعز ليست معركة أبنائها وحدهم، بل معركة كل يمني يؤمن بالجمهورية ويرفض عودة اليمن إلى حكم المليشيات والسلالات والامتيازات القائمة على النسب والقوة.
إن تعز تخوض حرباً شاملة؛ فالمقاتل يدافع ببندقيته، والتاجر يساند بماله، والشاعر بقصيدته، والمثقف بقلمه، والإعلامي بصوته، والمرأة بدورها في الإسناد والرعاية وإعداد الطعام، والمواطن بما يستطيع تقديمه من دعم. إنها حالة استنفار مجتمعي تعكس إدراكاً عميقاً بأن سقوط تعز لن يكون سقوط محافظة فحسب، بل تهديداً لمستقبل الجمهورية اليمنية ومشروع الدولة الوطنية.
معركة الوعي في مواجهة الجهل
جوهر المعركة في تعز هو معركة الوعي في مواجهة الجهل، ووعي الدولة في مواجهة ثقافة المليشيا، ووعي المواطنة في مواجهة الامتياز السلالي، ووعي الدين القائم على العلم والاعتدال في مواجهة توظيف الدين لتبرير العنف والسيطرة.
لقد امتلك المجتمع التعزي، عبر تاريخه، رصيداً واسعاً من العلم والفقه والثقافة والتجارة والسياسة والفنون، وأسهم علماؤه ومفكروه وفقهاؤه في تشكيل الوعي الديني والوطني في اليمن. ولهذا فإن مقاومته للمشروع الحوثي لا تنبع من مجرد خلاف سياسي أو تنافس على السلطة، وإنما من إدراك لطبيعة المشروع الذي يستهدف المجتمع والدولة والهوية والتعدد المذهبي والفكري.
ولا يعني ذلك احتكار الوعي أو العلم في تعز، فاليمن مليء بالعلماء والشرفاء والوطنيين في جميع محافظاته، ومن أبناء الزيدية أنفسهم من يرفضون مشروع الحوثيين ويدركون خطورته على مذهبهم ومجتمعهم ووطنهم. لكن خصوصية تعز تكمن في اتساع قاعدة الرفض الشعبي، وفي قدرتها على تحويل الوعي إلى مقاومة وصمود وإسناد اجتماعي وسياسي وثقافي.
من تحرير تعز إلى إنقاذ اليمن والمنطقة
أبناء تعز لا ينظرون إلى المعركة باعتبارها قضية تحرير محافظتهم فقط، بل يدركون أن الخطر يتجاوز حدودها إلى كامل الجغرافيا اليمنية، بل إلى محيطها العربي والإقليمي.
فالمشروع الحوثي، بحكم ارتباطاته الإقليمية وطبيعة خطابه وممارساته، لا يمثل تهديداً لليمن وحده، وإنما يثير مخاوف جدية على أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج والممرات البحرية الدولية، وعلى استقرار المنطقة وتوازناتها.
ومن هنا يمكن وصف الوعي الذي يحمله أبناء تعز بأنه وعي وطني وإقليمي ووعي بالمقدسات؛ فهم يدركون أن حماية اليمن من مشروع المليشيات تعني حماية عمقه العربي، وأن استعادة الدولة اليمنية تعني تجفيف منابع التهديد الذي يمتد إلى أمن المملكة العربية السعودية والخليج، وإلى حرية الملاحة والتجارة العالمية. كما أن الوعي بالمقدسات ليس شعاراً عاطفياً، بل إدراك لمسؤولية حماية البيئة السياسية والأمنية المحيطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وعدم السماح بتحويل اليمن إلى منصة تهديد للمملكة أو للحرمين الشريفين، اللذين يمثلان قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم.
قرامطة الأمس وقرامطة اليوم.. تشابه في الذاكرة وخطورة في الممارسة
إن استحضار تجربة القرامطة في التاريخ الإسلامي يكتسب أهمية عند مناقشة الجماعات التي توظف الدين والمذهب لتبرير العنف والتمرد على المجتمع والدولة.
فالقرامطة حركة تاريخية ارتبطت بالتيار الإسماعيلي، وبرزت في القرنين الثالث والرابع الهجريين، واشتهرت بأحداث دامية، كان من أبرزها هجومها على مكة المكرمة سنة 317هـ، الموافق 930م، وقتل أعداد كبيرة من الحجاج، والاعتداء على حرمة المسجد الحرام، وانتزاع الحجر الأسود ونقله إلى هجر، حيث بقي قرابة اثنين وعشرين عاماً قبل إعادته.
كانت تلك الحادثة واحدة من أكثر الأحداث إيلاماً في تاريخ العالم الإسلامي، لأنها استهدفت حرمة المكان المقدس وسلامة الحجاج، وكشفت كيف يمكن أن يتحول الانحراف الفكري حين يقترن بالقوة المسلحة إلى تهديد للدين والمجتمع والمقدسات.
وعندما نستحضر القرامطة اليوم، فإن المقارنة مع الحوثيين ينبغي أن تكون في سياق التحذير من توظيف المعتقد لتبرير العنف، واستباحة الدماء، وتهديد المقدسات، وفرض مشروع سياسي بالقوة، لا باعتبار أن الحركتين متطابقتان تاريخياً أو مذهبياً. فالقرامطة ينتمون إلى سياق إسماعيلي تاريخي، بينما ينتمي الحوثيون إلى سياق زيدي متأثر بأفكار سياسية ومذهبية معاصرة، لكن التاريخ يعلمنا أن الخطر لا يُقاس بالمسميات وحدها، بل بما تنتجه الأفكار حين تتحول إلى سلطة مسلحة لا تعترف بحقوق الآخرين.
وإذا كان القرامطة قد استخدموا السيف لفرض مشروعهم والاعتداء على الحجاج، فإن عصرنا يشهد أسلحة أكثر تدميراً، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أدوات الحرب البحرية والتهديد للممرات الاستراتيجية. وهنا تكمن خطورة التطور في الوسائل، لا في افتراض التطابق التاريخي بين الجماعات.
تعز.. قيمة تاريخية واستراتيجية لا يجوز تجاهلها
على المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول العربية والإسلامية أن تدرك القيمة الحقيقية لتعز وأبنائها، لا من منظور جغرافي أو عسكري محدود، بل من منظور تاريخي وحضاري وإستراتيجي.
فتعز ليست مجرد محافظة يمنية ذات كثافة سكانية، وإنما مساحة بشرية وعلمية وثقافية واقتصادية أسهمت في بناء اليمن الحديث، وخرجت منها أجيال من العلماء والمثقفين والتجار والسياسيين والمبدعين، وكان لها حضور بارز في الحركة الوطنية والثورة والجمهورية.
إن ما قدمته تعز من تضحيات، وما أظهره أبناؤها من قدرة على الصمود والمقاومة والإسناد، يستحق أن يتحول إلى مشروع دعم حقيقي للإنسان والمجتمع والمؤسسات والتعليم والتنمية. فالمطلوب ليس الاكتفاء بتقدير التضحيات، بل الاستثمار في الإنسان الذي أثبت قدرته على الدفاع عن الدولة، وصناعة المستقبل، ورفض مشاريع الإقصاء والتطرف.
كما أن تعز، بما تمتلكه من طاقات بشرية ومخزون ثقافي وتعليمي، يمكن أن تكون إحدى الركائز الأساسية في بناء يمن جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وتعدد الآراء والمذاهب، واحتكار الدولة للسلاح.
باب المندب.. حين يصبح الوعي التعزي قضية أمن عالمي
لا تنفصل معركة تعز عن الأهمية الاستراتيجية للساحل الغربي وباب المندب والبحر الأحمر. فهذه المنطقة ليست شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل تمثل أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد الغذائي والطاقة.
إن التهديدات التي تطال الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وما تشهده المنطقة من تصعيد مرتبط بالحوثيين، تؤكد أن السيطرة على القرار الأمني والعسكري في اليمن لم تعد مسألة داخلية فقط. فكما أن تهديد مضيق هرمز ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، فإن تهديد باب المندب والبحر الأحمر ينعكس على حركة التجارة والغذاء والطاقة بين القارات.
ومن هنا تتضح الأهمية الاستراتيجية لتعز وموقعها الجغرافي وصلتها بمحاور الساحل الغربي، وبالمناطق الحيوية المطلة على البحر الأحمر. إن خسارة الدولة اليمنية لهذه المساحات أو تحولها إلى منصات تهديد سيضع أمن المنطقة والعالم أمام مخاطر مستمرة.
دعم الوعي وبناء نواة الدولة
إن أبناء تعز، ومعهم كل الشرفاء والوطنيين من مختلف المحافظات، يمثلون رصيداً وطنياً لا ينبغي التفريط فيه. والمطلوب من الأشقاء في السعودية والخليج، ومن الدول العربية والإسلامية، أن ينظروا إلى هذه الطاقات بوصفها شريكاً في بناء الاستقرار، لا مجرد قوة تقاتل في جبهة عسكرية.
إن دعم التعليم والجامعات والاقتصاد والإعلام والثقافة والمؤسسات المدنية، وتعزيز قدرات الدولة والجيش الوطني، وتمكين الشباب والمرأة، كلها أدوات ضرورية لمواجهة الفكر المتطرف وبناء مجتمع محصن بالعلم والوعي.
كما أن الإنصاف يقتضي التأكيد أن مستقبل اليمن لا يُبنى على إقصاء محافظة أو جماعة أو مذهب، وإنما على شراكة وطنية عادلة، تجمع كل من يؤمن بالدولة والجمهورية والمواطنة، وترفض السلاح خارج مؤسساتها، أياً كان مصدره أو مبرره.
تعز ليست وحدها.. وتعز ليست قضية محلية
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى اليمنيين والعرب والمسلمين هي أن تعز لا تدافع عن نفسها فقط؛ إنها تدافع عن فكرة اليمن الجمهوري، وعن حق المجتمع في اختيار نظامه، وعن العلم والاعتدال والتعدد، وعن حق الأجيال القادمة في العيش داخل دولة لا تحكمها المليشيات ولا الامتيازات السلالية.
لقد أثبت أبناء تعز أن الوعي يمكن أن يتحول إلى موقف، وأن القلم يمكن أن يساند البندقية، وأن المال والكلمة والعمل الاجتماعي يمكن أن تكون جميعها جبهات في معركة واحدة.
إن تعز ليست مجرد جبهة عسكرية، بل جبهة وعي وفكر وهوية، وجبهة دفاع عن اليمن وعمقه العربي والإسلامي. ولذلك فإن الحفاظ على طاقاتها البشرية والعلمية والثقافية، ودعمها وتمكينها، ليس خدمة لتعز وحدها، بل استثمار في مستقبل اليمن وأمن المنطقة.
فإذا كانت معركة الأمس قد أسست للجمهورية، فإن معركة اليوم هي معركة الحفاظ عليها. وإذا كانت البندقية تحمي الأرض، فإن الوعي يحمي الوطن من أن يُختطف مرة أخرى. وتعز، بما تمتلكه من تاريخ وإنسان ووعي وتضحيات، تستحق أن تكون في قلب مشروع بناء اليمن الجديد.
** **
- د. علي غانم الشيباني