نايف بن سعد الفيصل
نردد في ثقافتنا الشعبية مقولة «العود من أول ركزة» ونستحضرها حين نشعر أن البدايات كشفت لنا ما يكفي للحكم على الأشخاص والأشياء.. وقد اكتسبت هذه المقولة حضورها من تجارب الناس وخبراتهم حتى أصبحت تعبيرًا مألوفًا عن الثقة بالانطباع الأول.
وفي تجاربنا الإنسانية ما يدعونا إلى تأمل هذه الحكمة.. فقد عرفنا أشخاصًا لم نطمئن إليهم في أول لقاء ثم أصبحوا مع الأيام من أقرب الناس إلينا، وآخرين تركوا انطباعات جميلة قبل أن تكشف المواقف جوانب أخرى من شخصياتهم.
قد تلتقي للمرة الأولى مع شخص وتخرج بانطباع أنه متكبر.. ومنذ تلك اللحظة تبدأ في تفسير تصرفاته وفق الصورة التي رسمتها عنه، ففي اللقاء الثاني قد تفسر صمته على أنه غرور، وفي الثالث ترى ثقته بنفسه دليلًا إضافيًا على تكبره، ومع مرور الوقت تتراكم لديك الشواهد التي تعزز انطباعك الأول وتزداد اقتناعًا بصحته. ومن المواقف التي لفتت انتباهي في التعامل مع الخيل أن شخصًا اقترب من الفرس وهو متوتر فتعاملت معه بحذر وقال إنها صعبة الطباع وإن العود من أول ركزة! مع أن هذه الفرس هادئة وسمحة بطبعها لكنها حساسة لانفعالات الإنسان وطريقة اقترابه منها.. فمن يقترب بتوتر قد يجد منها حذرًا، ومن يقترب بهدوء قد يجد استجابة مختلفة.
وفي علم النفس يُعرف ميل الإنسان إلى ملاحظة ما يؤكد اعتقاده السابق بـ«الانحياز التأكيدي» وقد يدفعنا ذلك إلى الاهتمام بالمواقف التي توافق أحكامنا، وتجاهل ما يخالفها أو البحث له عن تفسير ينسجم مع قناعاتنا.
والمفارقة أننا كلما وثقنا بانطباعنا الأول، أصبحنا أقل ميلًا إلى مراجعته.. وقد تمر أمامنا مواقف كثيرة تستحق أن نعيد النظر في أحكامنا لكننا نتمسك بالصورة التي رسمناها منذ البداية، وكأن أول ما عرفناه عن الإنسان هو أصدق ما يمكن أن نعرفه عنه.
وللبدايات قيمتها.. فقد تحمل إشارات صادقة تؤكدها التجارب اللاحقة.. وتظل معرفتنا بالآخرين قابلة للاتساع كلما تعددت المواقف واتضحت جوانب لم ننتبه إليها من قبل.
وفي كل تجربة جديدة فرصة لأن نرى الإنسان من زاوية أوسع، وأن نراجع مقدار ما نعرفه عنه.
ولعل كل ركزة أولى تستحق أن يرافقها سؤال: ماذا لو كنت مخطئًا ؟