صالح الشادي
يثير الحديث عن الفنون والترفيه في المملكة العربية السعودية جدلاً متكرراً، كثيراً ما ينشأ من خلط بين أمرين لا يلازم أحدهما الآخر: قداسة البقعة وخصوصية المكان، وحق الإنسان في أن يعيش ثقافته ويمارس فنونه كما يفعل غيره من البشر. ومن هذا الخلط تتولد مفارقة تحتاج إلى توضيح وتصحيح، لا إلى استفزاز، بل إلى رصانة ومنطق. فالمملكة العربية السعودية ليست دولة ثيوقراطية بالمعنى الذي يتوهمه بعض الناس، ولا دولة دينية بالمعنى الذي يجعل منها وصية على تفاصيل حياة الناس الخاصة؛ بل هي دولة ذات سيادة ومؤسسات، تعتز بعقيدتها وتاريخها وحاضرها ومكوناتها الاجتماعية، بادية وحاضرة، في شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها. وما يميزها حقاً هو شرفها بخدمة الحرمين الشريفين، والعناية الفائقة بمكة والمدينة وضيوف الرحمن. وهذا الشرف لا ينبغي أن يُفهم وصاية على حياة الناس في بقية المدن، ولا أن يُترجم إلى مصادرة حقهم في الترفيه المشروع؛ فالمقدسات لها خصوصيتها وقداستها، وهذا محل إجماع، أما بقية المدن السعودية فهي مناطق حضرية يسكنها الجميع، ولها حقها في أن تعيش كما تعيش المدن في سائر دول العالم مع احتفاظها بتربيتها الإسلامية وقيمها المستمدة من الإسلام.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن المكونات الشعبية في كل مناطق المملكة تمارس، كغيرها من شعوب العالم ومنذ القدم، تقاليدها وفنونها استعراضاً وغناءً، وهو أمر فطري وجزء أصيل من ثقافة كل شعب. ولم يكن هذا الفن دخيلاً على المجتمع السعودي، بل هو تعبير صادق عن أفراح الناس ومناسباتهم ومواسمهم، وعن حياتهم بما فيها من جمال وبساطة. وكما أن لكل شعب فنونه التي يعتز بها، فللسعوديين فنونهم التي لم يرد في شأنها نص قطعي الثبوت والدلالة يحرمها، وهي عند كثير من أهل العلم من مسائل الاجتهاد التي تختلف فيها الأنظار، لا من المسائل القطعية التي لا تقبل الخلاف. وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق الناس أن يعملوا بما يترجح لديهم أو بما أفتى به من يثقون بعلمه، ولا يصح أن يُفرض عليهم رأي بعينه في مسألة اجتهادية بوصفه الدين كله. ثم إن الفنون ليست الغناء وحده، بل تشمل الخط والعمارة والتصميم والأداء المسرحي والفنون البصرية والسينمائية وغيرها مما يعبر به الإنسان عن ذاته ووجدانه، وكلها مجالات عرفت بها عواصم الدنيا قديماً وحديثاً، عربية وعالمية، من بغداد ودمشق والقاهرة إلى باريس ولندن وطوكيو ونيويورك؛ فما من عاصمة في الأرض إلا ولها فنونها وموسيقاها ومسارحها ومتاحفها، والناس فيها يمارسون ذلك بوصفه جزءاً من حياتهم الحضرية، دون أن يعني ذلك خروجاً على قيمهم أو تفريطاً في مقدساتهم.
وقد أدركت الدولة أن هذا الجانب من حياة الناس لا يصح أن يُترك منفلتاً، فسعت إلى تنظيمه، فأصبحت هناك حفلات ومناسبات لتقديم الغناء وغيره من الفنون، بشكل راق، يحضرها من أحب أن يستمع من المواطنين والمقيمين على حد سواء. وهنا تجدر الإشارة إلى أمر بديهي كثيراً ما يُغفل: حضور هذه الأمسيات والفعاليات ليس لزاماً على أحد، ولا يُجبر عليه أحد؛ فمن أحب الحضور حضر، ومن لم يرغب لم يُلزم به، ولا ينقص ذلك من دينه أو مكانته شيئاً. فالأمر في جوهره سعة واختيار، لا إلزام ولا مصادرة. والمقيمون، وهم ملايين، من حقهم الطبيعي أن يستمتعوا كما يستمتع غيرهم، لذا جيء بمبدعين من دول العالم كافة لتلبية الأذواق المختلفة، في إطار من التنظيم والاحترام، ولكل فن أو فنان جمهوره الذي يقدره. وهنا يظهر الفرق الكبير بين التنظيم والانفلات: فالتنظيم يعني وجود ضوابط ومعايير واحترام للقيم العامة، وهو ما تقوم به الدولة بوصفها راعية للمصلحة العامة، بينما الانفلات يعني غياب الضوابط، وهو ما لا يقره عقل ولا دين. ويجدر التنبيه إلى أن قطاع الترفيه ليس إلا واحداً من عشرات القطاعات الثقافية التي اهتمت بها الدولة ورعتها، من المسرح إلى السينما إلى المكتبات إلى المتاحف إلى التراث إلى الأدب إلى الفنون البصرية إلى المهرجانات المحلية والإقليمية، وهو اهتمام يعكس رؤية أوسع للثقافة بوصفها جزءاً من نهضة المجتمع لا نقيضاً له.
وهذا التنظيم والانفتاح المنظم لا يعني أبداً أن الدولة تخلت عن دينها أو أخلاقها، أو تجاوزت منطق العالم وأعرافه؛ فالسعودية التي تحمل شرف حماية الحرمين الشريفين، وتولي مكة والمدينة عناية فائقة ومميزة، لا تزال وستبقى محافظة على مكانتها الدينية وخصوصيتها، بل إن عنايتها بالمقدسات من أعظم ما يميزها. ولكن هذا لا يستلزم أن تُحرم بقية المدن من منطق الحضرية الذي يخص الجميع، ولا أن يُمنع الناس من ممارسة ثقافتهم وفنونهم في إطار منظم يحترم القيم والمعايير؛ فحفظ المقدسات شيء، وتنظيم حياة الناس في المدن شيء آخر، ولا تعارض بينهما إلا في تصور من يخلط بينهما.
والمستغرب حقاً أن يستنكر أولئك الذين لا يريدون للشعب السعودي ما لسائر شعوب العالم من ثقافة وفنون وأنغام. يستغربون أن تُنظَّم حفلات الغناء والفنون في بلدهم، وكأنهم يريدون أن يُحرَم السعوديون او المقيم من أبسط مظاهر الترفيه البريء الذي تمارسه الشعوب كلها في عواصمها. يتحدثون عن هذا الأمر من هنا وهناك، متجاهلين أن التنظيم لا يعني الانفلات، وأن الاحترام لا يعني الحرمان، وأن حماية المقدسات لا تعني مصادرة الحياة، وأن عدم رغبة البعض في الحضور لا تبرر منع الآخرين منه. وليس المقصود هنا استفزاز من يرى غير ذلك؛ فمن حق كل مسلم أن يجتهد في مسائل الدين وأن يتحرى ما يراه أقرب إلى الصواب، ومن حق من يخشى على المجتمع من بعض المظاهر أن يعبر عن قلقه. ولكن الإنصاف يقتضي أن يُقال إن الاختلاف في الرأي مشروع، وإن المصادرة على حق الناس في ثقافتهم، في ظل غياب نص قاطع يحرمها، مصادرة لا يسندها دليل ولا تقوم عليها حجة. وإذا كان بعض العلماء قد توسعوا في المنع احتياطاً، فإن الاحتياط لا يصح أن يتحول إلى إلزام للناس كافة، ولا إلى إنكار على من عمل بقول معتبر، ولا إلى مصادرة حق من اختار بمحض إرادته أن يستمع أو يشاهد أو يشارك.
والحديث يطول، لكن خلاصة ما أريد قوله أن المملكة العربية السعودية ليست دولة ترفض الحياة، بل دولة تحتضنها بكل تنوعها، وتنظمها بحكمة واعتدال. فالشعب السعودي كغيره من شعوب الأرض له الحق في أن يفرح ويروح عن قلبه ويستمتع بثقافته وفنونه، في ظل قيادة تحرص على الدين والدنيا معاً، وتؤمن بأن الإسلام دين يسر لا عسر، وأن الحياة فيها متسع للروح والجسد، وللعبادة والفن، وللقداسة والفرح. ومن هنا فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن الاختلاف في الرأي مشروع ومحترم، أما المصادرة على حق الناس في التعبير عن ثقافتهم، في ظل غياب نص قاطع يحرمها، فهي مصادرة لا يسندها دليل ولا تقوم عليها حجة. والاعتدال هو أن نميز بين ما هو قطعي لا خلاف فيه، وما هو اجتهادي يسع الناس فيه الخلاف، وأن نحترم المقدسات ونحفظ حياة الناس في الوقت نفسه، وأن ندرك أن عواصم الكون كلها لها فنونها، وأن الحضور في تلك الفعاليات اختيار لا إلزام؛ فهذا هو منطق الدولة العاقلة، وهذا هو ما تقوم عليه مملكتنا في حاضرها ومستقبلها.