مبارك بن عوض الدوسري
ليست محبة الأوطان والمناطق التي نشأنا فيها مجرد مشاعر تختزنها الذاكرة، أو كلمات نرددها في المناسبات، بل هي مسؤولية تتجسد في الحرص على جمال المكان، وصون مرافقه، والمطالبة بتطويره، ومعالجة ما يشوّه مظهره ويحدّ من تطلعات أبنائه؛ ومن هذا المنطلق، تظل «النويعمة»، أحد المراكز المهمة في محافظة وادي الدواسر، جديرةً بالاهتمام الذي يتناسب مع مكانتها وتطلعات أهلها، وبما يواكب ما تشهده المملكة من نهضة تنموية وحضرية متسارعة.
لقد شهدت النويعمة، شأنها شأن العديد من مدن المملكة ومراكزها، تطورات ملموسة في جوانب متعددة، غير أن بعض مظاهر التشوه البصري لا تزال حاضرة في عدد من المواقع، وتستدعي وقفة جادة لمعالجتها؛ ومما يبعث على الأسف أن بعض هذه المظاهر يرتبط بمرافق ومواقع يُفترض أن تكون نموذجاً في التنظيم والعناية بالمظهر العام، وأن تعكس مستوى الجهود المبذولة للارتقاء بالبيئة الحضرية وتحسين جودة الحياة.
ولعل سوق الخضار في النويعمة، المجاور للمقبرة، من أبرز الأمثلة التي تستحق المعالجة؛ فالمشهد الذي يطغى عليه الحديد المتضرر والمحترق، وما يحيط بالموقع من مظاهر غير ملائمة، لا ينسجم مع ما يتطلع إليه الأهالي من بيئة منظمة ونظيفة؛ كما أن غياب الوضوح بشأن الجهة المسؤولة عن الإشراف على الموقع وصيانته، إن كان قائماً، يستدعي تحديد المسؤوليات بصورة واضحة، بما يضمن سرعة المعالجة واستدامة العناية بالمرفق.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فالبسطات التي يستخدمها بعض باعة الورقيات تترك خلفها، بعد انتهاء نشاطها اليومي، طاولات وتجهيزات مهترئة تشغل المساحات وتؤثر في المظهر العام للسوق؛ ومثل هذه الممارسات، وإن بدت بسيطة في نظر البعض، تتراكم آثارها لتصنع مشهدًا لا يليق بالمكان، ما يستدعي تنظيم مواقع البيع، وتحديد الضوابط اللازمة، وإلزام الجميع بالمحافظة على النظافة وإخلاء المواقع بعد انتهاء العمل، بما يحقق التوازن بين تنظيم النشاط التجاري والمحافظة على المرافق العامة.
أما سوق الدواجن، الذي نُفذ جزء من أعمال هدمه وبقيت أجزاء أخرى على حالها، فهو مثال آخر على أهمية استكمال الهدم ومعالجة المواقع التي طال بقاؤها دون إكمال أو تهيئة؛ فالمشروعات الخدمية لا تحقق أهدافها بمجرد البدء في تنفيذها، وإنما تكتمل فائدتها بإنجازها وفق المتطلبات، وتهيئتها للاستخدام، والمحافظة على مظهرها بما يحقق الغرض الذي أُنشئت من أجله؛ ومن هنا، فإن الوقوف على حالة السوق، وتحديد أسباب عدم استكمال ازالته، واتخاذ ما يلزم لمعالجة وضعه، خطوات ضرورية لإنهاء هذا المشهد الذي لا ينسجم مع تطلعات الأهالي.
ومن المشاهد التي تستحق الالتفات كذلك الشاشة التلفزيونية الواقعة أمام مصرف الراجحي، التي ظلت، بحسب ما يلاحظه الأهالي، معطلة منذ سنوات، وتعرضت أجزاء منها لأضرار وتشوهات نتيجة اصطدام المركبات بها، حتى باتت في حاجة واضحة إلى الإصلاح أو الاستبدال، وفق ما تراه الجهة المختصة؛ فاستمرار وجود مرفق متضرر ومعطل طوال هذه المدة يطرح تساؤلاً مشروعاً عن آلية متابعة الأصول والمرافق العامة، ومدى سرعة الاستجابة لاحتياجات الصيانة والمعالجة.
إن هذه الأمثلة ليست حصراً لجميع مظاهر التشوه البصري في النويعمة، وإنما هي نماذج لما يمكن ملاحظته على أرض الواقع، وما يستحق أن يوضع أمام الجهات المعنية بكل مسؤولية وموضوعية؛ فالمطلوب ليس توجيه اللوم لمجرد اللوم، ولا التقليل من الجهود التي تُبذل في خدمة المركز، بل الإسهام في تحسين الواقع، والتنبيه إلى أوجه القصور، والدعوة إلى معالجتها بروح المسؤولية والشراكة.
وتزداد أهمية هذه المطالب في ضوء ما توليه المملكة من اهتمام بجودة الحياة، وتحسين المشهد الحضري، ورفع كفاءة المرافق العامة، وتعزيز المشاركة المجتمعية في المحافظة على البيئة العمرانية؛ وهي أهداف لا تتحقق بالخطط وحدها، بل تحتاج إلى متابعة ميدانية مستمرة، وتنسيق فاعل بين الجهات ذات العلاقة، واستجابة عملية للملاحظات، ومحاسبة إدارية وفق الأنظمة عند ثبوت التقصير.
ومن هنا، فإن النويعمة تستحق وقفة عاجلة من الجهات المختصة، كلٌّ فيما يدخل ضمن مسؤولياته، تبدأ بحصر مواقع التشوه البصري، وتحديد الجهة المشرفة على كل موقع، ووضع جدول زمني لمعالجة الملاحظات، واستكمال المشروعات المتعثرة أو غير المكتملة، وتنظيم الأسواق والبسطات، وإزالة التجهيزات التالفة، وصيانة المرافق المعطلة؛ كما أن الإعلان عن نتائج المعالجة ومتابعة استدامتها من شأنه أن يعزز ثقة الأهالي، ويؤكد أن ملاحظاتهم محل اهتمام وتقدير.
ولأبناء النويعمة، الذين يعتزون بمركزهم ويتطلعون إلى رؤيته في أجمل صورة، الحق في أن يشاهدوا أثر التنمية في تفاصيل حياتهم اليومية، وأن يجدوا مرافقهم العامة منظمة ونظيفة وصالحة للاستخدام؛ فالتطور لا يُقاس بالمشروعات الكبيرة وحدها، بل يظهر أيضاً في شارع نظيف، وسوق منظم، ومرفق مكتمل، وشاشة تعمل، وموقع أزيل عنه التشوه، وأصبح مصدراً للرضا بدلاً من أن يكون موضعاً للتساؤل.
إن النويعمة ليست مجرد موقع على خارطة وادي الدواسر، بل هي مكان له قيمته في نفوس أبنائه، ومستقبل يتطلعون إلى أن يكون أكثر جمالاً وتنظيماً وازدهاراً. والمحافظة على هذا المكان مسؤولية مشتركة، تتقدمها مسؤولية الجهات المعنية في أداء واجباتها، وتساندها مشاركة الأهالي وحرصهم على المصلحة العامة.
وما نرجوه أن تتحول هذه الملاحظات إلى خطوات عملية ملموسة، وأن تكون المرحلة المقبلة عنواناً لمعالجة أوجه القصور، لا لاستمرارها؛ فالمكان الذي نحبه يستحق أن نبذل من أجله، والتنمية التي ننشدها لا تكتمل إلا عندما يلمس الناس أثرها في محيطهم، ويشاهدون مرافقهم في الصورة التي تليق بهم وبوطنهم.
فالنويعمة تستحق الأفضل، وجمالها ليس مطلباً ترفيًّا، بل جزء من حق أهلها في بيئة حضرية منظمة، ومن مسؤولية كل جهة تتولى خدمة المكان والمحافظة عليه.