عوض علي أحمد الطالبي
في منعطفات التاريخ الكبرى، لا تكتب المواثيق بالحبر والورق، بل تُسطر بمداد من النور والدم على تراب الأرض التي أبى أهلها أن تنحني لغير الخالق. واليوم، تقف المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية، قيادةً وشعباً، في خندق واحد تجمعهما أواصر العقيدة، وتلاحم الجوار، ووحدة المصير. إنها الملحمة التي تجسدت فيها أسمى معاني الأخوة العربية والإسلامية، وحملت شعاراً راسخاً في وجدان كل سعودي ويمني: «لقد اختلطت دماؤنا بدماءكم، وثمن ذلك مرخص من أجل العقيدة والوطن».
هذا التلاحم المصيري لم يكن وليد صدفة أو مصلحة سياسية عابرة، بل هو استجابة حتمية لتهديد وجودي يستهدف الهوية العربية والعمق الإستراتيجي للمنطقة، ممثلاً في الميليشيا الحوثية الإرهابية، التي انسلخت عن عروبتها وارتمت في أحضان المشروع التوسعي الإيراني، لتصبح أداة طيعة ينفذ من خلالها نظام الملالي في طهران أجندته لزعزعة أمن الخليج العربي والسيطرة على مضيق باب المندب، مهدداً الملاحة الدولية والأمن والسلم الإقليميين.
أولا: جذور المعركة.. دفاعاً عن العقيدة السوية والهوية العربية
لا يمكن قراءة المشهد اليمني الحالي بمعزل عن البعد العقائدي والثقافي الذي تحاول إيران فرضه عبر ذراعها الحوثي. فالجمهورية اليمنية، عبر تاريخها الإسلامي الطويل، كانت حصناً من حصون العقيدة الإسلامية الصحيحة القائمة على التسامح والاعتدال والتعايش. إلا أن التغلغل الإيراني عبر جماعة الحوثي الإرهابية سعى منذ البداية إلى تجريف هذه الهوية، واستبدالها بالفكر الطائفي الدخيل القائم على التبعية المطلقة لـ»الولي الفقيه» في طهران.
حينما اجتاحت الميليشيا الحوثية العاصمة صنعاء وانقلبت على الشرعية الدستورية، لم يكن هدفها السيطرة على مقار الحكومة الفيدرالية فحسب، بل بدأت فوراً في تفخيخ عقول الأجيال عبر تغيير المناهج الدراسية، ودورات الشحن الطائفي، واستهداف المساجد ودور القرآن. وهنا تحركت المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من مسؤوليتها التاريخية كقِبلة للمسلمين وحامية الإسلام، لتلبي نداء الإغاثة الذي أطلقه الأشقاء في اليمن.
لقد أدركت القيادة السعودية أن المعركة هي معركة وجود للعقيدة والعروبة. فالخطر الحوثي لا يهدد حدود المملكة الجغرافية فحسب، بل يهدد النسيج الاجتماعي والديني للمنطقة بأسرها. ومن هذا المنطلق، التقت الإرادة السعودية واليمنية في مسار واحد: لا مساومة على العقيدة، ولا تهاون في حماية المقدسات، ولا قبول بأي فكر مستورد يحاول عزل اليمن عن محيطه العربي والخليجي.
ثانياً: امتزاج الدماء في الميدان.. ملحمة التضحية والفداء
إن أعظم الشواهد على صدق الأخوة ووحدة الهدف هي تلك الدماء الزكية التي روت جبال مران، ورمال مأرب، وسواحل الحديدة، وسهول شبوة والضالع. لم يفرق الرصاص الغادر بين جندي سعودي هب لنصرة جاره, وبين مقاتل يمني يذود عن أرضه وعرضه. لقد اختلطت الدماء في خنادق الشرف، لتصنع سداً منيعاً تحطمت عليه أوهام والمطامع الإيرانية .
تأتي هذه التضحيات الجسيمة في إطار عمليات قوات التحالف المشترك بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية في اليمن، والتي قادتها المملكة بحكمة واقتدار. لم تبخل المملكة بأرواح أبنائها البررة من ضباط وجنود القوات المسلحة البواسل، الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، ووقف الزحف الطائفي. وفي المقابل، سطر أبطال الجيش الوطني اليمني والمقاومة الشعبية ورجال القبائل أروع ملاحم الصمود والتضحية، مقدمين قوافل من الشهداء والجرحى.
هذا المزيج من الدماء الطاهرة يبعث برسالة واضحة لا لبس فيها لنظام طهران وأدواته: إن أمن المملكة وأمن اليمن كلٌّ لا يتجزأ، وأن عمق الروابط الإنسانية والأخوية بين الشعبين أقوى بكثير من كل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تطلقها يد الغدر الحوثية. إن ثمن هذه الدماء هو الحرية والكرامة، والحفاظ على الاستقلال الوطني بعيداً عن الوصاية الإيرانية.
ثالثاً: الدور الإيراني الخبيث.. الحوثي كأداة للمشروع التوسعي
منذ سنوات، والمعطيات السياسية والاستخباراتية، فضلاً عن الواقع الميداني، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الميليشيا الحوثية الإرهابية ليست سوى مجرد دمية تحركها أصابع الحرس الثوري الإيراني. إن طهران لا تهتم بمصلحة الشعب اليمني، ولا يعنيها استقراره أو اقتصاده؛ بل تتخذ من اليمن منصة متقدمة لتهديد دول الجوار، وممراً لتهريب الأسلحة، وورقة ضغط في مفاوضاتها الدولية.
إن محاولات إيران عبر الحوثيين لفرض واقع جديد بالقرب من المضايق البحرية الحيوية (مضيق باب المندب والبحر الأحمر) يمثل تهديداً مباشراً لعصب الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية. ولولا الاستجابة السريعة والحاسمة من المملكة العربية السعودية والتحالف العربي، لكان هذا الممر المائي الهام تحت الرحمة الإيرانية المطلقة، ولأصبحت المنطقة بأسرها رهينة للابتزاز الطهراني.
رابعاً: كلنا في نفس الاتجاه.. رؤية موحدة للمستقبل والسلام
عندما نرفع شعار «كلنا في نفس الاتجاه»، فإننا ننطلق من قناعة إستراتيجية راسخة بأن مستقبلنا واحد وتحدياتنا واحدة. إن المسار الذي تسير عليه المملكة واليمن اليوم يتحرك في خطين متوازيين ومتكاملين:
1 - المسار العسكري والأمني والحزم المستمر
إن تحقيق السلام المستدام لا يمكن أن يتم من موقف ضعف. لذلك، فإن الاستمرار في تعزيز القدرات الدفاعية للجيش الوطني اليمني، وإسناده الجوي واللوجستي من قبل الأشقاء في المملكة، يظل صمام الأمان لكسر الغطرسة الحوثية وإجبار الميليشيا على الانصياع لصوت العقل والحق.
2 - المسار الإنساني والتنموي وإعادة الإعمار
بالتوازي مع البندقية والدفاع، امتدت يد المملكة العربية السعودية البيضاء بالخير والنماء والشقيق لليمن. فلم يقتصر التلاحم على الجبهات العسكرية فحسب، بل تجسد إنسانياً واقتصادياً من خلال:
* مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSRelief): الذي قدم مليارات الدولارات كمساعدات غذائية وطبية وإيوائية شملت كافة المحافظات اليمنية دون استثناء أو تمييز.
* البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (SDRPY): الذي يعمل على الأرض لإعادة تأهيل المدارس، والمستشفيات، والمطارات، والموانئ، ومحطات الطاقة، وتوفير المشتقات النفطية لدعم استقرار العملة الوطنية والاقتصاد اليمني.
* المشروع السعودي لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام: الذي نزع مئات الآلاف من الألغام والعبوات الناسفة التي زرعها الحوثيون بشكل عشوائي في مزارع وطرق ومدارس اليمنيين، حامياً بذلك أرواح الأبرياء من الأطفال والنساء.
خامساً: خاتمة.. النصر حليف أصحاب الأرض والعقيدة
إن التاريخ يعلمنا أن المشاريع الدخيلة القائمة على العمالة والتبعية للخارج ومحاربة عقيدة الأمة وهوية شعوبها، هي مشاريع محكوم عليها بالفشل والزوال مهما طال بها أمد البقاء أو حظيت بدعم القوى الخارجية. إن ميليشيا الحوثي، بارتمائها في الحضن الإيراني، عزلَت نفسها عن النسيج اليمني والعربي، وباتت عدواً لطموحات الشعب اليمني في الاستقرار والديمقراطية والتنمية.
في المقابل، يقف التحالف بقيادة السعودية والجانب اليمني على أرضية صلبة من الحق والعدالة والدفاع المشروع عن الدين والنفس والأرض. إن الدماء التي سالت معاً على ثرى اليمن هي عهد وثيق ورابطة مقدسة لن تنفصم عراها، وهي الثمن الغالي الذي يدفعه الشرفاء بكل رضا واحتساب الشهادة لحماية الأمة العربية والإسلامية من دنس المخططات الصفوية التوسعية.
إننا نمضي معاً في نفس الاتجاه، يداً بيد، وكتفاً بكتف، وعيوننا شاخصة نحو مستقبل يمني وعربي مشرق، خالٍ من الإرهاب والطائفية والتبعية. مستقبل يستعيد فيه اليمن السعيد أمنه وعافيته واستقراره كعضو فاعل ومحوري في أسرته الخليجية والعربية الكبرى. وستظل تضحيات شهدائنا الأبرار، من سعوديين ويمنيين وكل من شارك في قوات التحالف منارات مضيئة تلهم الأجيال القادمة معنى التلاحم في الشدائد، والذود عن العقيدة والوطن.