الصادق جاد المولى
لم يكن الفاتح عبدالله إدريس المعروف بـ«أبو لولو»، يتوقع أن يصبح اسمه موضوعًا لأخبار تتعلق بحياته هو، بعد أن اقترن طويلًا بأخبار الموت الذي أنزله بالآخرين. فقد اعتاد الرجل الظهور بين مسلحي مليشيا الدعم السريع، يحمل سلاحه ويتباهى بما اقترفته يداه، حتى جاءت الأنباء الأخيرة عن إصابته في حادث مروري على الطريق المؤدي إلى مدينة الفاشر، لتضعه في موضع مختلف؛ جريحًا تتناقل الألسن أخبار إصابته، وتبحث له قيادة المليشيا عن مستشفى يستقبله خارج السودان.
وبحسب المعلومات المتداولة عن الحادث، اصطدمت السيارة التي كان يستقلها بأكوام رملية وضعتها المليشيا على الطريق ضمن ترتيباتها الأمنية، قبل أن تتوالى الاصطدامات بين عدد من المركبات المرافقة له، مخلفة ثمانية قتلى وإصابات متفاوتة. وأصيب «أبو لولو» بجرح غائر في الوجه وكسر في إحدى يديه، لتبدأ رحلة أخرى، عنوانها البحث عن العلاج، بعدما تحدثت أنباء عن رفض مستشفيات في جنوب السودان وأوغندا استقباله، ومحاولات لاحقة لنقله إلى إثيوبيا. وتبقى تفاصيل هذه المحاولات، وأسباب الرفض المنسوب إلى المستشفيات، في نطاق الأنباء التي لم تحظَ بتأكيد مستقل.
وقد وقع الحادث في أيام الذكرى الأولى لسيطرة الدعم السريع على الفاشر، تلك المدينة التي انتهى حصارها الطويل بمشاهد مروعة من القتل والتنكيل، وكان «أبو لولو» أحد أكثر الوجوه حضورًا في تسجيلاتها. وللمصادفات في أخبار الحروب غرابة تستدعي التأمل؛ فالرجل الذي ارتبط اسمه بالطريق الذي سلكه الفارون من الفاشر، يعود اسمه اليوم مقرونًا بطريق آخر، تحاول فيه قوة مسلحة إنقاذ حياته.
من الفاشر إلى ذاكرة الجرائم
لم تصنع الفاشر جرائم الحرب في السودان، فقد سبقتها مدن وقرى دفعت أثمانًا فادحة منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، غير أن ما شهدته المدينة في أكتوبر 2025 كشف عن مستوى من الوحشية تجاوز ما ألفه الناس من أخبار المعارك. فقد خرج السكان من حصار طويل أثقلته المجاعة وانهيار الخدمات، ليجد كثير منهم الموت على طرق النزوح، أو في الأحياء التي احتموا بها، أو داخل المرافق التي لجأوا إليها طلبًا للأمان.
وفي تلك الأيام ظهر «أبو لولو» في تسجيلات مصورة، يطلق النار على مدنيين عزّل، ويتحدث عن القتل بعبارات تنم عن استخفاف بالغ بالحياة الإنسانية. وقد أظهرت المقاطع التي جرى التحقق منها ضلوعه المباشر في قتل عدد من المدنيين، بينما تفاخر الرجل نفسه بقتل أعداد هائلة من البشر، بلغت في حديثه الآلاف. وكان تفاخره شاهدًا على ما استقر في نفسه من شعور بالإفلات من العقاب، وإن بقيت الأرقام التي أعلنها ادعاءات لم تثبت صحتها.
وقد خرجت من الفاشر شهادات لناجين تعرَّفوا عليه، ورووا وقائع قتل واعتداء ونهب تعرضوا لها أو شاهدوها خلال محاولات الفرار. وتقاطعت تلك الروايات مع مشاهد مصورة أظهرت ضحايا مجردين من السلاح، وأفرادًا لا يملكون من أسباب الدفاع عن أنفسهم شيئًا.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الوقائع أن القتل تحول لدى بعض عناصر المليشيا من جريمة يحاول مرتكبها إخفاء آثارها، إلى فعل يحرص صاحبه على تصويره وإذاعته. وقد بلغت الجرأة بـ«أبو لولو» أن جعل من تسجيلات القتل وسيلة لاستعراض سلطته بين المقاتلين، في دلالة على اختلال عميق أصاب المنظومة العسكرية التي ينتمي إليها.
فالجندي الذي يخشى المحاسبة يتجنب ترك الأدلة على جريمته، والذي يستشعر حماية قيادته قد يمضي في غيّه مطمئنًا إلى أن سلاحه وحظوته يحولان بينه وبين السؤال. وقد بدا «أبو لولو» أقرب إلى الصورة الثانية؛ رجلًا يتحرك وسط مسلحين، ويصدر الأوامر، وتلتقط الكاميرات أفعاله، دون أن يظهر في تلك المشاهد ما يوحي بخشيته من مساءلة قريبة.
اعتقال أمام الكاميرات وعودة إلى الميدان
أمام الغضب الذي أثارته مشاهد الفاشر، سارعت قيادة الدعم السريع إلى الإعلان عن توقيف الرجل. وظهر «أبو لولو» في تسجيل مصور مكبل اليدين، يقوده مسلحون إلى سجن شالا، في مشهد أرادت المليشيا أن تجعله دليلًا على قدرتها على ضبط عناصرها ومحاسبة المتجاوزين.
غير أن الاعتقال المصور فتح من الأسئلة أكثر مما أغلق. فقد غابت المحاكمة العلنية، ولم يُعلن عن حكم قضائي يتناسب مع خطورة الوقائع التي ظهر فيها الرجل، ثم أخذت تتردد معلومات عن إطلاق سراحه وعودته إلى جبهات القتال في كردفان، وسط نفي من قيادة المليشيا وإصرارها على استمرار احتجازه.
وتكشف عودته المبلغ عنها إلى الميدان عن تناقض يصعب تجاوزه بين الإجراءات التي تعرضها قيادة الدعم السريع أمام الرأي العام، وما يجري داخل صفوفها. فالمساءلة التي تبدأ أمام الكاميرات ثم ينقطع خبرها عند أبواب السجن تترك الضحايا أمام سؤال ثقيل عن جدية العدالة، وعن الجهة التي تملك إطلاق سراح المتهم وإعادته إلى حمل السلاح.
ولم يكن الحديث عن عودة «أبو لولو» منفصلًا عن علاقته بكبار قادة المليشيا؛ إذ ارتبط الإفراج عنه، وفق روايات من داخل التنظيم، بتدخل مباشر من عبدالرحيم حمدان دقلو، نائب قائد الدعم السريع وشقيق قائده محمد حمدان دقلو «حميدتي». وقد عززت هذه الروايات الاعتقاد بأن الرجل يتمتع بحماية تتجاوز موقعه الميداني ورتبته العسكرية.
وتظهر أهمية هذه الصلة في طبيعة المليشيا نفسها، حيث تتداخل روابط القرابة والولاء الشخصي مع التسلسل القيادي، وتصبح الحظوة لدى أصحاب القرار مصدرًا للنفوذ لا يقل أثرًا عن الرتبة أو المهمة. وفي مثل هذا البناء يجد بعض القادة الميدانيين من الحماية ما يجعل محاسبتهم أمرًا متعذرًا، خاصة إذا ارتبطت أدوارهم بالمعارك التي تراهن عليها القيادة.
قادة يعرفون وأفعال تتكرر
اتسعت دائرة التساؤلات حول «أبو لولو» بعد ظهور معلومات عن وجود قيادات بارزة من الدعم السريع في محيط بعض الجرائم التي ارتكبها. ومن بين هؤلاء جدو حمدان أحمد محمد، المعروف بـ«أبو نشوك»، قائد قطاع شمال دارفور، الذي ظهر بالقرب من مواقع شهدت عمليات إعدام لمدنيين.
ويطرح هذا الوجود مسألة مسؤولية القيادة عن الأفعال التي تقع تحت سلطتها، ومدى علمها بما يرتكبه المقاتلون، والإجراءات التي اتخذتها لمنع تلك الجرائم أو محاسبة المتورطين فيها.
فالأعمال التي شهدتها الفاشر وقعت في ظل انتشار عسكري واسع، وتحركات لقوات منظمة، وقيادات تتولى إدارة العمليات والسيطرة على المقاتلين. ومن الصعب فهم استمرار تلك الانتهاكات، وتكرار ظهور المتورطين فيها، بعيدًا عن منظومة القيادة التي تملك إصدار الأوامر وتحديد المهام واتخاذ الإجراءات التأديبية.
وقد اكتسبت هذه المسألة أهمية إضافية مع إدراج «أبو لولو» على قوائم العقوبات الدولية خلال فبراير 2026، على خلفية جرائم القتل والانتهاكات الجسيمة في الفاشر. وجاءت العقوبات لتؤكد أن الجرائم المنسوبة إليه تجاوزت نطاق الجدل المحلي، وأصبحت جزءًا من ملف دولي يتعلق بمحاسبة المسؤولين عن الفظائع المرتكبة في دارفور.
ومع ذلك، ظل السؤال عن موقعه داخل المليشيا حاضرًا؛ فالرجل الذي ظهر مكبل اليدين أمام الكاميرات عادت الأنباء لتضعه بين المقاتلين، ثم على طريق الفاشر مصابًا في حادث مروري. وتتابع هذه الوقائع، إذا ثبتت تفاصيل عودته وتحركاته، يستدعي تفسيرًا من قيادة المليشيا بشأن حقيقة اعتقاله، والجهة التي أمرت بإطلاق سراحه، ومصير الإجراءات التي أعلنتها بحقه.
مستشفيات موصدة وملفات مفتوحة
أعادت الإصابة الأخيرة الحديث عن الرجل من زاوية لم يألفها متابعو أخباره. فقد أخذت تتردد معلومات عن اتصالات أجرتها الدائرة الطبية للمليشيا مع جهات صحية خارج السودان، سعيًا إلى تأمين العلاج له، وعن رفض مستشفيات استقباله بالنظر إلى سجله المثير للاتهامات والعقوبات المفروضة عليه.
وإذا تأكدت هذه الروايات، فإنها تكشف مأزقًا يواجه قيادة المليشيا في التعامل مع أحد أبرز قادتها الميدانيين؛ فقد كانت شهرته القائمة على مشاهد القتل سببًا في اتساع نفوذه بين بعض المقاتلين، ثم غدت تلك الشهرة نفسها عبئًا يلاحقه خارج ميادين الحرب.
وليس يسيرًا أن ينفصل اسم «أبو لولو» عن الفاشر، بعدما اقترنت صورته بأيامها الدامية، واستقرت في ذاكرة الناجين مشاهد القتل التي ظهر فيها. فلكل جريمة ضحايا تركوا وراءهم أسرًا تنتظر الإنصاف، ولكل تسجيل مصور حكاية إنسان انقطعت حياته، وبقي أهله يحملون أسئلة لا يجيب عنها بيان عسكري أو مشهد اعتقال عابر.
والفاشر، التي فقدت أهلًا وعمرانًا وأسباب حياة، تحمل من المآسي ما يجعل مصير أحد المتهمين بقتل سكانها تفصيلًا صغيرًا في مأساة أكبر. وقد تبدو جراح الرجل بالغة في نظر من يسعون إلى إنقاذه، غير أن وراءها جراح مدينة كاملة، ما زال كثير من أبنائها يتفرقون بين المقابر ومخيمات النزوح وأبواب المجهول.
وستظل المسألة الأهم في قضية «أبو لولو» متعلقة بمصير العدالة، وبالمسؤولية التي تقع على قيادة الدعم السريع عن جرائم ارتكبتها عناصر تعمل تحت إمرتها. فقد رأى العالم الرجل يطلق النار على العزّل، ثم شاهده مكبل اليدين في مشهد اعتقال، وسمع بعد ذلك أخبار عودته إلى القتال، حتى انتهى به الخبر جريحًا على الطريق.
وتلك سيرة تضع أمام الرأي العام وقائع متصلة، يتعذر فصل آخرها عن أولها، أو عزل مرتكبها عن البيئة التي أتاحت له القوة والنفوذ والحماية.
وقد يطوي الزمن خبر الحادث، وتغيب صور السيارة المحطمة، وتأتي من جبهات السودان أخبار أشد هولًا؛ غير أن ما جرى في الفاشر سيبقى قائمًا في ضمير أهلها، محفوظًا في شهادات الناجين ووجوه المفقودين. فالجروح التي تصيب الأجساد يعرف الأطباء مواضعها، وأما الجراح التي تخلفها المذابح في حياة الأمم، فإن أمدها يتجاوز أعمار الذين أحدثوها.
ومن وراء أخبار المستشفيات والحدود والطائرات، يظل السؤال الذي لم تجب عنه قيادة المليشيا قائمًا: كيف استطاع رجل ظهرت جرائمه على مرأى العالم أن يعود إلى حمل السلاح، ومن الذي تكفل بحمايته، وأي حساب ينتظر الذين أتاحوا له أن يفعل ما فعل؟