أمل حمدان الشريف
ليست العبرة بعدد السائرين في الطريق، بل بوعي من اختار الاتجاه.
حين تتشابه الأصوات، وتتكرر المواقف، وتُقاس فيه أحيانًا قيمة الإنسان بمدى انسجامه مع الجماعة، يصبح الاختلاف موقفًا يحتاج إلى شجاعة، وتصبح المحافظة على استقلالية الفكر اختبارًا حقيقيًا للنضج.
ليس كل من اجتمعوا على رأي امتلكوا الحقيقة، وليس كل من ساروا في اتجاه واحد يعرفون إلى أين يمضون. فالكثرة قد تمنح الشعور بالأمان، لكنها لا تمنح بالضرورة صواب الموقف، والإجماع قد يكون ثمرة وعي، وقد يكون أحيانًا نتيجة خوف من الاختلاف أو رغبة في تجنب المواجهة.
إن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس أن يكون وحيدًا، بل أن يفقد صوته الداخلي وهو يحاول أن يشبه الآخرين. أن يتخلى عن قناعاته ليحظى بالقبول، ويصمت عن قناعاته ليحافظ على مكانته، ويصفق لما لا يؤمن به حتى لا يجد نفسه خارج دائرة الجماعة.
وهنا تبدأ خسارة الذات، فالإنسان المستقل فكريًا لا يبحث عن الاختلاف لمجرد لفت الانتباه، ولا يتخذ المعارضة وسيلة لإثبات حضوره، بل يمتلك القدرة على التفكير، والمراجعة، والتمييز بين ما يستحق أن يتبعه وما يجب أن يتوقف أمامه. لا تمنعه الجماعة من السؤال، ولا يدفعه الخوف إلى التنازل عن قناعاته.
وليس في الوحدة دائمًا ما يستدعي الشفقة؛ فقد تكون أحيانًا ثمنًا للوعي، ومساحة لإعادة اكتشاف الذات، وفرصة للتحرر من علاقات لا تجمع أصحابها سوى المصالح والمواقف المؤقتة.
في المقابل، ليست كل جماعة قطيعًا، كما أن الانفراد بالرأي لا يجعل صاحبه بالضرورة صاحب بصيرة. فالحكمة ليست في مخالفة الجميع، وإنما في ألا توافقهم دون تفكير، وألا تخالفهم دون حجة.
إن المجتمعات لا تتقدم بتكرار الأفكار ذاتها، ولا تزدهر حين يصبح الاختلاف تهمة، والنقد إساءة، والاستقلالية خروجًا عن الصف. بل تتقدم حين تحترم العقل الذي يسأل، والصوت الذي يناقش، والإنسان الذي يمتلك شجاعة أن يقول: لا أتفق، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
إن كنت وحيدًا، فلا تجعل وحدتك سببًا للتراجع، وإن كنت مختلفًا، فلا تجعل اختلافك وسيلة للتعالي.
اختر موقفك بوعي، وراجع قناعاتك بشجاعة، ولا تستبدل سلامك الداخلي بتصفيق عابر.
ففي نهاية المطاف، لن تُحاسب على عدد الذين ساروا بجانبك، بل على مقدار ما كنت وفيًّا لمبادئك، وصادقًا مع نفسك، ومسؤولًا عن اختياراتك.
لا تخشَ أن تكون خارج القطيع، بل اخشَ أن تفقد قدرتك على التفكير وأنت تسير معه.