د.عيد بن حجيج الفايدي
في إنجاز وطني يُعد الأول من نوعه على مستوى المملكة العربية السعودية، أعلنت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية اعتماد الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية لصخور البازلت في الحرات السعودية ضمن قائمة أحجار التراث العالمية المعتمدة لدى الاتحاد. ويأتي هذا الاعتماد تتويجًا للجهود العلمية التي بذلتها الهيئة في توثيق القيمة الجيولوجية والتاريخية والثقافية لهذه الصخور، ويعكس ثراء المملكة الجيولوجي ومكانتها بين الدول الغنية بالتنوع الطبيعي.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا ينبغي أن تقف عند حدود الاحتفاء بها، بل تستدعي التأمل في أسئلة تتصل بعلاقة المدينة المنورة ببيئتها، وبالصورة التي يُراد لعمارتها الحديثة أن تعبّر عنها. فالاعتراف بقيمة البازلت الطبيعية والتراثية لا يحسم وحده مسألة توظيفه عمرانيًا، ولا يجعل لونه مرجعًا وحيدًا لهوية المدينة البصرية. كما أن الاعتماد الدولي لا يعني حظر استخدام البازلت، ولا يعني جعله قاعدة عامة للتصميم؛ وإنما يضيف مسؤولية جديدة تتمثَّل في حماية التكوينات ذات الأهمية العلمية، وإعادة النظر في الطرق والمشروعات التي قد تؤثّر في المواقع البركانية، ودراسة أثر الاستخدام، والنظر في البدائل المستدامة حيثما اقتضت الحاجة.
ولا بد من التمييز بين الحقيقة الجيولوجية والدلالة الحضارية. فالحرات البازلتية جزء أصيل من جغرافية المدينة ومحيطها، وسوادها سمة طبيعية لا تُنكَر، غير أن المشهد المديني أوسع من عنصر واحد؛ إذ يتألف من جبال وأودية وسهول، وتنوع في ألوان الصخور، وأثر للضوء والعمارة التاريخية في تشكيل صورة المكان. لذلك لا ينبغي أن تُبنى الهوية البصرية للمدينة على لون منفرد.
وقد شهدت المنطقة ثورانًا بركانيًا عام 654هـ، الموافق 1256م، ترك أثرًا في تضاريسها وذاكرتها التاريخية. لكن هل يصلح حدث طبيعي بعينه أن يكون أساسًا ومرجعًا للهوية العمرانية؟ أم أن الأجدر استيعابه ضمن تاريخ المكان، دون اختزال ذلك التاريخ فيه؟
وحين يسير الزائر في شوارع المدينة، قد يمر بجسر حديث تكسوه حجارة سوداء، أو يقف أمام مسجد يتوشّح بالسواد، أو مبنى حكومي اكتسى بالحجارة السوداء. وقد يصادف بوابة سوداء بطراز قديم في وسط طريق سريع، وهي ليست في موقعها الأصلي، بل محاكاة لبوابة كانت جزءًا من سور المدينة. وقد يشاهد سوقًا بخطوط سوداء تحاكي الأسواق في العهد العثماني، وغير ذلك كثير. لكن هل يحتاج تاريخ المدينة المنورة إلى تشبيه أو تمثيل أو تقليد؟ وماذا ستقول الأجيال القادمة حين تقف أمام معالم لا تحمل في موقعها أو وظيفتها أو زمنها حقيقة تاريخية؟
فحين يتحول السواد إلى لون مهيمن، سواء أكان مصدره حجرًا طبيعيًا أم طلاءً صناعيًا أم ألواحًا مركّبة، تبقى النتيجة البصرية واحدة: تضييق لوحة المدينة إلى درجة لونية واحدة، وكأن الأصالة لا تتحقق إلا بها. وإذا كان المقصود الحفاظ على خصوصية المدينة، فإن تنويع الألوان والمواد ضمن رؤية مدروسة أقرب إلى التعبير عن ثراء المكان من إخضاعه لمعيار لوني واحد.
ولا يعني ذلك إقصاء الأسود من العمارة، أو التقليل من قيمة البازلت. فالمسألة ليست استبدال لون بآخر، ولا مفاضلة مطلقة بين حجر أصيل وآخر أقل أصالة، بل الحيلولة دون اختزال الهوية في خامة واحدة أو درجة لونية واحدة. فالمادة الطبيعية قد تحمل قيمة جيولوجية وتاريخية دون أن تصبح وصفة معمارية عامة. كما أن اعتماد «بازلت الحرات» ضمن أحجار التراث العالمية يستدعي إعادة النظر في ضوابط استخدام هذا الحجر في العمارة السعودية، بما يوازن بين صونه واستثماره بصورة مسؤولة.
ويبرز جبل أُحد بوصفه من أبرز العناصر الطبيعية والتاريخية في ذاكرة المدينة. فمكانته لا تنبع من حضوره الجغرافي وحده، بل من ارتباطه بالسيرة النبوية، وما شهده من أحداث مفصلية في التاريخ الإسلامي، ومن اتصاله بالوجدان الإسلامي. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: «هذا جبل يحبنا ونحبه». غير أن هذه المكانة لا تجعل لون الجبل معيارًا دينيًا ملزمًا للعمارة، ولا تفرض استنساخ شكله أو استخدام صخوره. وبوسع العمارة الحديثة أن تستلهم من تدرجاته الطبيعية المتنوعة، بما فيها من ألوان ترابية وبنية وحمراء وذهبية، فهو جبل متفرد بلونه وحجمه بين الجبال المحيطة به.
والعمارة التي تحترم المكان ليست مطالبة بنقل الجبل إلى المبنى، بل بإقامة حوار بين المبنى ومحيطه؛ حوار يستند إلى معرفة بالتاريخ والطبيعة، ويترك المجال للتنوع، بدلًا من أن تصبح الأصالة مرادفًا لمادة واحدة ولون واحد وتصميم واحد.
فالمدينة المنورة ليست حرات بركانية، وإن كانت الحرات جزءًا من جغرافيتها، وليست جبل أُحد وحده، وإن كان ركنًا عزيزًا من ذاكرتها. ولا ينبغي أن تُقاس هويتها بلون صخورها وحده، أو أن يُقدَّم لون على آخر بوصفه المعيار الوحيد. فالحجر قابل للاستبدال، والألوان قابلة للاختيار، أما الهوية فلا تُصنع بقرار لوني منفرد؛ إنها حصيلة معرفة واعية بالمكان وتاريخه، وحسّ يوازن بين حماية موارده وعدم تحويلها إلى قوالب جامدة.
ومن المهم أيضًا مراعاة أثر تحديث اشتراطات البناء على ملاك المباني. فحين تُعدَّل المتطلبات والشروط بعد تنفيذ المباني وفق أنظمة كانت سارية ومعمولًا بها وقت الترخيص، قد يتحمّل المالك أعباء مالية لم تكن متوقعة. والأجدر أن تسري التعديلات من تاريخ صدورها فصاعدًا، دون أن تمتد آثارها إلى ما سبقها، وألا يُحمَّل المالك التزامات مالية مستجدة عن أعمال أُنجزت وفق الأنظمة المعمول بها حينها، أو واجهات سبق اعتمادها وفق تراخيص نظامية، إلا في حدود ما تقتضيه اعتبارات السلامة أو المصلحة العامة.
ولعل الأجدر أن تُصان معالم المدينة، وأن يُستفاد من تاريخها دون اختزاله في مادة واحدة، وأن تظل العمارة قادرة على التعبير عن مدينة متعددة الطبقات، عميقة الذاكرة، لها مكانة راسخة في حياة كل مسلم يسترشد بالهدي النبوي وقوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، متفق عليه.