إبراهيم بن يوسف المالك
قد تنجح الدول في إدارة الصراعات وتوسيع نفوذها وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، لكنها تظل أمام اختبار أكثر صعوبة: هل تستطيع تحويل هذه المكاسب إلى نظام إقليمي أكثر استقرارًا واستدامة؟ تمر المنطقة بمرحلة لا يكفي فيها أن نراقب موازين القوى، بل أصبح من الضروري أن نفهم كيف تتشكل قواعد القوة نفسها. فالصراعات الراهنة، على الرغم من كلفتها ومخاطرها، تكشف عن تحولات أعمق في موقع الدول العربية وفي قدرتها على التأثير في مستقبل الإقليم.
لم يعد السؤال فقط: من ينتصر في هذه المواجهة أو تلك؟ بل من يمتلك القدرة على تحويل نتائج الصراع إلى نظام أكثر استقرارًا، وأقدر على حماية مصالح شعوبه؟ لعقود طويلة، ظلت المنطقة أسيرة مشاريع أيديولوجية رفعت شعارات كبرى، لكنها كثيرًا ما انتهت إلى استنزاف الدولة والمجتمع، وتعطيل التنمية، وتوسيع دوائر الصراع. واليوم، يبدو أن هناك انتقالًا تدريجيًا من سياسة تستمد شرعيتها من الشعارات إلى سياسة تُقاس بقدرتها على تحقيق الأمن، وبناء الاقتصاد، وصناعة الفرص.
غير أن تجاوز الأيديولوجيا لا يعني اختفاءها، كما أن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن المبادئ، بل إدراك أن المبادئ لا تتحول إلى نتائج بمجرد إعلانها، وأن حماية المصالح الوطنية تتطلب مؤسسات قادرة، ورؤية طويلة المدى، وأدوات تنفيذ تتجاوز ردود الفعل الآنية. وهنا تتضح الفجوة بين اتساع النفوذ والقدرة على تحويله إلى ترتيبات مؤسسية مستدامة؛ فالتأثير في لحظة سياسية لا يكفي ما لم يترجم إلى قواعد وتفاهمات تصمد أمام تغير الظروف.
في هذا السياق، يبرز الدور المتنامي لدول الخليج، ليس بوصفها قوى اقتصادية فحسب، بل باعتبارها أطرافًا تسعى إلى المشاركة في صياغة التفاهمات الإقليمية والدولية. فالوساطة، والشراكات الاقتصادية، والدبلوماسية متعددة المسارات، أصبحت أدوات لتوسيع هامش الحركة السياسية وتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة. لكن النفوذ لا يصبح قيادة إستراتيجية بمجرد اتساعه؛ فالقيادة الحقيقية تبدأ حين تستطيع الدولة أو مجموعة الدول تحويل مصالحها المشتركة إلى قواعد وتفاهمات ومؤسسات تستمر حتى عندما تتغير القيادات أو تتبدل الظروف.
وهنا تبرز أهمية التجربة السعودية. فرؤية 2030 ليست مجرد برنامج لتنويع الاقتصاد أو تحديث الخدمات، بل محاولة لإعادة بناء القدرة الوطنية، وتوسيع خيارات الدولة، وتعزيز قدرتها على التعامل مع عالم تتزايد فيه المنافسة والاضطرابات. ويمكن لهذه التجربة أن تفتح آفاقًا للتعاون الإقليمي، من دون افتراض أن الدول الأخرى ستتبنى نموذجًا واحدًا أو تسير في مسار متطابق. فالمصلحة المشتركة لا تتطلب تطابق التجارب، بقدر ما تتطلب القدرة على بناء شراكات عملية تحترم خصوصية الدول وتستثمر في فرص التكامل.
إن بناء شرق أوسط أكثر استقرارًا لا يمكن أن يقوم على تجاوز الدول العربية أو تجاهل مصالحها، كما لا يمكن أن يستقر على إقصاء أي طرف أو فرض ترتيبات لا تعالج جذور الصراع. فالأمن المستدام لا ينتج من توازن الخوف وحده، بل من قواعد واضحة، واحترام السيادة، وتعاون اقتصادي، وتسويات سياسية تعالج القضايا العالقة. وكلما اتسعت الفجوة بين الطموح السياسي والقدرة المؤسسية، بقيت المنطقة معرضة لإعادة إنتاج أزماتها مهما تبدلت موازين القوى.
وتظل القضية الفلسطينية اختبارًا أساسيًا لأي تصور جاد للسلام الإقليمي. فالتفاهمات الدبلوماسية قد تفتح أبوابًا جديدة، لكنها لن تتحول إلى سلام مستدام إذا بقيت الحقوق الفلسطينية مؤجلة أو مستبعدة. إن السلام ليس مجرد توقيع اتفاق، بل بناء شروط تجعل الاتفاق قابلًا للحياة والاستمرار، وتمنح شعوب المنطقة أسبابًا حقيقية للثقة في المستقبل.
كما أن مستقبل المنطقة لا يمكن اختزاله في موقف من قائد أو حكومة. فالشخصيات السياسية قد تسرّع التحولات أو تعرقلها، لكنها لا تختصر المؤسسات والمجتمعات والمصالح التي تشكل الواقع. ولذلك فإن الرهان على تغيير الأفراد وحده لا يكفي؛ المطلوب بناء قواعد تجعل الاستقرار أقل اعتمادًا على الأشخاص وأكثر ارتباطًا بالمؤسسات.
إن التحدي الإستراتيجي أمام المنطقة هو الانتقال من امتلاك عناصر القوة إلى تنظيمها، ومن إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على منعها، ومن تنسيق المواقف المؤقتة إلى تأسيس إطار إقليمي يحمي المصالح المشتركة. وقد لا تكون ملامح النظام الجديد قد اكتملت بعد، وربما تتعرض مساراته لانتكاسات عديدة، لكن اللحظة الراهنة تتيح فرصة نادرة لأن تتحول الدول العربية من أطراف تتأثر بتوازنات الآخرين إلى شركاء فاعلين في صياغة قواعد الإقليم.
والاختبار الحقيقي لهذه المرحلة ليس في إعلان الدخول إلى عصر جديد، بل في القدرة على تحويل اللحظة إلى مؤسسات، والتفاهمات إلى التزامات، والنفوذ إلى نتائج ملموسة للأجيال القادمة. فالنظام الإقليمي لا يُبنى بمجرد إعلان رؤية للمستقبل، بل بامتلاك القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع، والواقع إلى استقرار، والاستقرار إلى مستقبل مشترك.