فائز بن سلمان الحمدي
ليس أفدح في مآسي الوجود من إنسان استكمل للحياة أسبابها، واستوفى من العافية نصيبه، وبسط له في فسحة الأجل، ثم طويت صحيفة أيامه، فما استخرج من كنوزها مكرمة، ولا استنبت في رياضها فضيلة، ولا خلف في مسارح الوجود أثرا يشهد بأن روحا عرفت شرف رسالتها قد مرت من هاهنا! وإن من الناس من تحصى أعمارهم بما تعاقب عليهم من السنين، ومنهم من توزن أعمارهم بما أودعوا في تلك السنين من المآثر؛ فأولئك عاشوا في الزمان حتى استنفدهم، وهؤلاء أودعوا الزمان من آثارهم ما بقي بعدهم. وما كل من امتد به العمر اتسعت به الحياة، ولا كل من قصر أجله ضاق به ميدان الأثر؛ فرب عمر طويل لم يترك وراءه إلا عددا، ورب عمر قصير ترك من الخير ما لا تحصيه الأعوام. ولقد أقسم الله بالعصر، ثم قرن هذا القسم بإعلان الخسران الذي يحيق بالإنسان، واستثنى منه أهل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، فقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. فما أبلغ أن يقسم بالزمان على خسران الإنسان، ثم يجعل سبيل النجاة من ذلك الخسران إيمانا يصلح الباطن، وعملا يثمر في الظاهر، وحقا تتواصى به النفوس، وصبرا تستقيم به العزائم! كأن السورة تضع العمر كله في ميزان لا يعتد فيه بمجرد امتداد الأيام، وإنما بما حملته من حقائق الإيمان وفضائل الأعمال. وما أشد التفاوت بين نفس تتصرم أيامها وهي تزداد رفعة واكتمالا، ونفس تتكاثر أعوامها وهي لا تزداد إلا خواء واضمحلالا؛ كأن الأولى تنفق من عمرها لتربح ذاتها، والأخرى تنفق من ذاتها لتخسر عمرها! وليس الفراغ في حقيقته خلو الساعات من الشواغل، وإنما هو خلو الروح من المقاصد السامية، واستقالة العزيمة من تبعات الوجود، وانحسار الهمة عن الآفاق التي خلقت لتسمو إليها. فقد يخلو المرء من أشغال الدنيا وقلبه معمور بحقائق الإيمان، وعقله موصول بمناهل الحكمة، وضميره متوثب إلى وجوه الإحسان، فلا يكون فراغه إلا ضربا من الامتلاء؛ وقد تتزاحم على آخر شواغل الحياة، وهو في جوهره خلاء موحش، لا يتردد في أرجائه إلا صدى الأهواء، ولا تتحرك في أعماقه إلا خواطر لا تثمر علما، ولا تنشئ فضيلة، ولا تقيم لصاحبها وزنا في ميزان الأعمال. فالفراغ الذي يخشى على الإنسان منه ليس فراغ اليد من العمل، بل فراغ القلب من الغاية؛ وليس سكون الجوارحين تستريح، بل سكون الإرادة حين تستقيل من معنى الحياة. وإن النفس إذا لم تجد من المعالي ما تستغرق فيه قواها، وجدت في الصغائر ما تستنزف به تلك القوى؛ وإذا لم تفتح لها أبواب البناء، لم تعدم أن تتوهم في كل زاوية بابا للخصومة؛ وإذا ضاقت عن حمل الواجبات الجليلة، اتسعت لحمل المظالم المتخيلة، حتى يغدو ما كان هينا في ميزان العقل جسيما في ميزان الهوى. وهنا تتجلى إحدى أدق علل النفوس: أنها قد تعجز عن احتمال فراغها، فتملؤه بما يؤذيها؛ وتضيق بسكون حياتها، فتستثير من الأوهام ما يقلقها؛ وتفتقر إلى غاية تصلح بها شأنها، فتبتدع من الظنون ما تفسد به سكينتها وسكينة غيرها. فإذا استبد الفراغ بنفس لم تهذبها البصيرة، ولم تسسها المروءة، ولم تشغلها المطالب الجليلة، أطلق من نوازع الوهم ما كان كامنا، واستثار من رواسب الضغينة ما كان ساكنا؛ حتى تستحيل الخواطر العابرة أحكاما جائرة، والظنون الواهية حقائق قاطعة، والهفوات اليسيرة جنايات لا تغتفر، وتغدو النفس خصما وحكما وجلادا في محكمة لا تنقضي خصوماتها ولا ترفع جلساتها. وكم من مودة أزهقها فراغ مستحكم، وكم من ألفة نال منها خاطر متوهم، وكم من بيت كانت تظلله السكينة حتى تسلل إليه خواء النفوس؛ فإذا الكلمات تحمل فوق معانيها، وإذا السكوت يفسر على غير مراده، وإذا الهفوة تستحضر لها سوابق العتاب، وإذا المحبة التي كان يكفيها صفاء القلب لا يكفيها بعد ذلك ألف اعتذار! وما أحوج هذه النفوس إلى هداية القرآن حين يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. فإن من الظنون ما يبدأ خاطرا لا سلطان له، ثم تستضيفه النفس الغافلة، وتطيل محاورته، وتستدعي له من الأوهام ما يؤيده، حتى يصبح في شعورها يقينا تخاصم عليه، وتعاقب غيرها بمقتضاه؛ وما كان له من الحقيقة نصيب! وليس معنى ذلك أن كل خصومة وليدة فراغ، ولا أن كل ألم تصنعه الأوهام؛ فإن في الحياة جراحا حقيقية، ومظالم تستوجب الإنصاف، وهموما لا يملك المرء دفعها. ولكن النفس التي فقدت عظيم مقصدها قد تمنح الصغير من أسباب الخصومة سلطانا لا يستحقه، وتطيل الوقوف عند ما كان أجدر بها أن تتجاوزه. فالقلب إذا اتسع لمعالي المقاصد ضاق عن سفاسف الخصومات، وإذا امتلأ بفضائل الأعمال لم يجد في جوانبه متسعا لتناسل الأحقاد. وليس شرف الإنسان أن يخلو طريقه من المنغصات، بل أن يكون في نفه من السمو ما يمنع تلك المنغصات من أن تستولي على طريقه كله. ثم إن للفراغ وجها آخر أشد خفاء وأعظم نكاية؛ ذلك أنه يستنزف جوهر العمر في غير ما يشعر صاحبه بفداحة الخسارة. فالمال إذا انتقص أحس المرء بنقصانه، والصحة إذا اعتلت استشعر وخز علتها، والمنزلة إذا زالت أدرك مرارة زوالها؛ أما العمر فإنه يتسرب من بين يديه في هدوء مروع، لا يسمع له انكسارا، ولا يرى له انحسارا، حتى إذا استيقظ من سنة الغفلة، أبصر أن ما كان يعده فسحة لا تنفد قد استحال ماضيا لا يستدرك. ويا لغرابة هذا الإنسان! يقيم الحراس على خزائن أمواله، ويحكم الأبواب على نفائس مقتنياته، ويستقصي حساب ما يدخل عليه وما يخرج منه، ثم يترك أعز ذخائره، وهي ساعات وجوده، نهبا للعبث، ومغنما للغفلة، ومسرحا لكل خاطر طارئ؛ كأن ما يفنى من ماله أنفس مما يفنى من نفسه! وإن الدرهم المفقود خسارة في الملك، أما الساعة المهدرة فخسارة في الكيان؛ وشتان بين من ينقص ما في يده، ومن ينقص ما في وجوده. ومن أجل ذلك جاء البيان النبوي جامعا لحقيقة لو فصلت معانيها لاستوعبت أسفارا؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». رواه البخاري. فيا لها من كلمة كشفت أصول الخسارة الإنسانية في أوجز لفظ! فالصحة اقتدار، والفراغ إمكان، والعمر رأس مال لا يقبل التعويض؛ فإذا اجتمعت للإنسان سلامة الآلة، وسعة المجال، ثم لم ينهض إلى ما خلق له من عبادة وإحسان وعمارة وإصلاح، فأي غبن يعدل غبنه، وأي تفريط يداني تفريطه؟ وليس الغبن أن تفوت الإنسان نعمة لم تقدر له، وإنما أن تبسط له النعمة فلا يعرف قدرها، وأن تفتح له أبواب الخير فلا يلجها، وأن يمكن من أسباب الرفعة فيستبدل بها أسباب الخمول. وما أوجع أن تستبان قيمة النعمة عند تعذر الانتفاع بها؛ فيعرف المرء شرف العافية حين يثقله السقم، وكرامة الفراغ حين تستبد به الشواغل، ونفاسة الشباب حين تخبو جذوة الاقتدار، وعظم العمر حين لا يبقى منه إلا بقية تتنازعها الحسرة والرجاء! وأشد من فوات النعمة أن ينكشف للإنسان، بعد فواتها، أنه لم يكن محروما من أسباب الخير، وإنما كان غافلا عن استعمالها؛ وأن أبوابا كان يظنها موصدة لم تكن تنتظر إلا أن يمد إليها يده، وأن آمالا طالما أرجأها لم تكن تحتاج إلى عمر آخر، بل إلى عزيمة صادقة في العمر الذي كان بين يديه. ومن هنا كان صون الأوقات من أجل ما ينبغي أن تربى عليه انفوس، وأعظم ما يغرس في ضمائر الناشئة قبل أن تستحكم فيها عادات الدعة والتسويف. وإن من دقائق التربية التي تغيب عن كثير من الآباء أن صيانة الأبناء من خواء الأوقات ليست ترفا تربويا، بل هي صيانة لمستقبل الضمائر، وحراسة لمناشئ العزائم؛ فإن الناشئ إذا ألفت نفسه الاسترسال مع الشهوات، واستعذبت طباعه الدعة، واستمرأ أن تقضى حاجاته دون كد أو مكابدة، خشي أن ينشأ وفي إرادته وهن، وفي همته خمول، وفي تصوره للحياة اختلال؛ فلا يرى من الوجود إلا ما يمتع حواسه، ولا يستشعر من الواجب إلا ما يثقل عليه. فلا تجعلوا غاية البر بأبنائكم أن تقصوا عنهم كل مشقة؛ فإن من المشقة ما تصاغ به المروءات، ومن المكابدة ما تستحكم به الملكات، ومن احتمال التبعات ما تستوي به النفوس على سمت الرشد وكرامة المسؤولية. ولقد قرن الله صلاح الأهل بمسؤولية رعايتهم، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}. وما صيانة الناشئة من مسالك الغفلة، وتعويدهم على الطاعة والمروءة واحتمال المسؤولية، إلا من وجوه القيام بهذه الأمانة العظيمة. وليس من الرحمة بالناشئ أن تذلل له كل عقبة، حتى إذا خرج إلى الحياة لم يجد في نفسه قوة على تجاوز عقباتها؛ ولا من الإحسان إليه أن تعفى إرادته من كل تكليف، حتى إذا ناداه الواجب لم يجد في عزيمته ما ينهض به. علموهم أن للزمن جلالا، وأن للواجب سلطانا، وأن للمعرفة لذة أرفع من لذائذ العبث، وأن الإنسان لا يسمو بما يستكثر لنفسه من أسباب الترف، وإنما يسمو بما يستخرج من نفسه من قوى الخير، ثم يبذله فيما يعود على دينه وأهله ومجتمعه بالنفع. وافتحوا لهم أبواب العلم والعمل، وأعينوهم على اكتشاف مواهبهم، وعلموهم أن الفشل في محاولة شريفة خير من الاعتياد على حياة لا محاولة فيها، وأن تعب السعي إلى غاية كريمة أهون على النفس من حسرة القدرة التي لم تستعمل. وكونوا لهم في صيانة الأوقات أسوة ناطقة؛ فإن القدوة برهان تشهده العيون، والموعظة دعوى تسمعها الآذان، وما أسرع ما تنقض الأفعال ما تبرمه الأقوال! وليس في هذا كله دعوة إلى استنفاد القوى في عمل لا ينقطع، ولا إلى مصادرة حق النفس في السكينة والاستجمام؛ فإن الراحة إذا جاءت في موضعها كانت عونا على الكمال، والترويح إذا انضبط بحده كان استمدادا للقوة، وللنفس من الحقوق ما لا يستقيم أمرها بإهداره. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن لنفسك عيك حقا». رواه البخاري. فما كان هدي النبوة استنزافا للقوى، ولا تكليفا للنفس بما يذهب قدرتها على الدوام، وإنما هو إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع العمل والراحة في موضعيهما. وإنما الآفة أن ينقلب الاستجمام استسلاما، والترويح تضييعًا، والراحة خمولا؛ حتى تصبح الوسيلة غاية، ويغدو الاستثناء أصلا، ويألف المرء من الدعة ما يستثقل معه كل واجب، ومن اللهو ما يستوحش معه كل جد. فما الراحة المذمومة أن يستريح المرء من عناء العمل، ولكن أن يستريح من معنى الحياة؛ ولا البطالة أن تسكن الجوارح ساعة، ولكن أن تسكن العزائم عمرا. وإن للنفس المؤمنة من رحابة المقصد، وسمو الغاية، وصدق التوجه إلى الله، ما يعصمها، بإذنه، من الاستغراق في أوحال التفاهة؛ فهي تعلم أن العمر أمانة، وأن المواهب ودائع، وأن النعم مسؤوليات، وأن وراء كل قدرة تكليفا، ووراء كل فرصة حسابا. ولقد حسم القرآن الغاية الكبرى من وجود الإنسان في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. فإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، لم يعد العمر ميدانا مفتوحا للأهواء العابرة، بل صار أمانة تتوجه إلى غايتها، وصارت أعمال الإنسان، إذا صلحت نيته واستقامت على أمر الله، موصولة بمعنى العبودية، وإن اختلفت صورها وتنوعت ميادينها. فلا تقاس رفعة الإنسان بما استطاع أن يستمتع به من متاع الدنيا، ولكن بما استطاع أن يسمو إليه من فضائلها، ولا بما اقتطعه لنفسه من خيراتها، ولكن بما أجراه الله على يديه من وجوه النفع والإحسان. ولقد يكون المرء قليل الحظ من حطام الدنيا، وهو عظيم الحظ من حقيقة الحياة؛ لأنه عرف كيف يحول ساعاته إلى فضائل، وأيامه إلى مآثر، ومواهبه إلى منافع، حتى إذا انقضى أجله بقي من آثار إحسانه ما يتجدد به النفع، ويرجى له به ثواب ربه. وقد فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم للإنسان باب الأمل في امتداد أثره بعد انقطاع عمله، فقال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم. فما أكرم عمرا ينقضي أجل صاحبه ولا ينقضي خيره! وما أجل نفسا تغيب عن أعين الناس، وتبقى من آثارها أسباب نفع تتجدد، ودعوات خير ترفع، وعقول تستضيء بما علمت، وقلوب تهتدي بما أحسنت! وليس خلود الأثر أن يظل اسم المرء مذكورا على الألسنة، وإنما أن يظل خيره جاريا في الناس؛ إذ قد يخبو الذكر ويبقى النفع، وقد يذيع الاسولا يكون وراء ذيوعه فضل. ورب معلم غاب اسمه وبقي علمه في عقول أجيال، ورب محسن نسي وجهه وبقي إحسانه في حياة محتاج، ورب أب أو أم لم تكتب لهما الدنيا سطرا في دواوين الشهرة، وقد كتبا بصبرهما وتربيتهما صفحات من الخير في نفوس أبنائهما. فليست عظمة الأثر فيما ترفعه الألسنة من أسماء، بل فيما تقيمه الأعمال من فضائل؛ وليس كل مجهول عند الناس مجهول القدر عند الله. فيا أيها المسترسل في غفلة الأيام، المخدوع بما يمنيك به امتداد الآمال، أما آن لك أن تدرك أن الزمن ليس وعاء خارجا عن ذاتك تملؤه بما تشاء، بل هو النسيج الذي تتألف منه حياتك، وأن كل ساعة تنقضي إنما تنحل بها عقدة من عقد وجودك، فلا تعاد إلى موضعها، ولا يستأنف نسجها؟ إنك حين تبدد يوما لا تضيع شيئا من متاع الحياة، بل تضيع شيئا من حقيقتها؛ وحين تسترخص ساعة لا تسترخص مقدارا من الزمن، بل تسترخص مقدارا من نفسك. وما العمر الذي بين يديك وعدا بأن غدا سيأتيك، وإنما هو فرصة حاضرة لا تملك من أمر بقائها شيئا؛ فكم من مؤمل للغد لم يدركه، وكم من مؤجل للخير أدركه الأجل قبل أن ينجزه، وكم من قادر استهان بقدرته حتى صارت القدرة التي كان يملكها أمنية لا سبيل إلى تحقيقها! وإن أفظع ما في الغفلة أنها لا تسلب الإنسان عمره دفعة واحدة فيفزع لفقده، ولكنها تستدرجه إلى التفريط فيه جزءا بعد جزء، وتهون عليه خسارة اليوم بما تمنيه من سعة الغد، حتى إذا تكاثرت الأيام الضائعة، وانحسر أفق الاقتدار، أبصر أن ما كان يملكه من المستقبل قد صار ذكرى، وما كان يملكه من القوة قد صار أمنية، وما كان يرجئه من العمل قد صار حسرة. وما أقسى أن يدرك المرء، بعد طول التسويف، أن الفرص لم تكن تغلق أبوابها في وجهه، بل كان هو الذي يمضي عنها؛ وأن الأيام لم تكن بخيلة عليه، بل كان هو الذي يبدد عطاءها؛ وأن العمر لم يخنه حين انقضى، وإنما خانه هو حين ظن أنه لا ينقضي! ولقد أيقظ القرآن النفوس من سبات التأجيل، وكشف ما وراء الغفلة من حسرة لا ينفع معها التمني، فقال سبحانه: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. فيا لعظم الحسرة حين يصير أقصى ما يتمناه الإنسان ساعة من عمركان يبدد ساعاته! وحين تصبح الفرصة التي كان يستثقل اغتنامها أمنية يتمنى لو أعيد إليه من أجلها بعض ما مضى! على أن باب الاستدراك لا يغلق ما دام في الصدر نفس، ولا ينبغي أن تنقلب محاسبة الماضي يأسا من المستقبل؛ فإن الحسرة التي توقظ العزيمة خير من غفلة تطيل الرقاد، والتوبة الصادقة تنشئ في النفس من حياة المعنى ما لا تنشئه أعوام من الاسترسال. وكيف ييأس من يسمع نداء الرحمة في قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فاستنقذ من أيامك ما بقي، واستصلح من نفسك ما وهن، واستنهض من عزيمتك ما فتر؛ ولا تجعل للحياة عليك حجة بأنها أمهلتك فلم تغتنم، وأقدرتك فلم تعمل، وفتحت لك أبواب الخير فآثرت عليها أبواب اللهو. ولا تحتقر من الخير قليلا، فإن الأعمال العظيمة لا تولد كلها عظيمة، وإنما تنشأ من صدق المقاصد، وثبات الخطى، ومداومة السعي؛ ورب عمل صغير عظمته النية، ورب أثر خفي باركه الله حتى تجاوز نفعه ما كان صاحبه يرجو. واجعل لنفسك من العبادة زادا، ومن العلم ضياء، ومن المروءة سمتا، ومن الإحسان أثرا، ومن محاسبة النفس رقيبا؛ فإن أكرم الأعمار ما كان موصولا بمرضاة الله، وأبرك الأوقات ما أثمر خيرا، وأشرف النفوس ما استعلت على سفاسفها حتى صارت أهلا لمعاليها. واستحضر في كل يوم قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. فما أعظم أن يسمي القرآن يوم الحساب غداً، حتى يستشعر القلب قربه، ويعلم أن ما يقدمه اليوم هو ما سيجده حين تنكشف الحقائق وتعرض الأعمال! ثم اذكر أن الأجل لا يستأذن في قدومه، وأن الأيام لا تسترد ما استنفدته، وأن صحيفة العمر إذا طويت لم يبق للمرء من دنياه إلا ما قدم، وما امتد من خيره بعده بإذن الله. فيا حسرة من عبر الحياة ولم يعمرها، واستنفد الزمان ولم يثمره، واستكمل عدد السنين ولم يستكمل شرف المساعي؛ حتى إذا دنا الرحيل، وانكشفت له حقيقة ما أضاع، أدرك أن الذي أفنى عمره لم يكن ثقل الواجبات، بل خواء الغايات؛ وأن الذي استنزف قواه لم يكن عناء العمل، بل طول الإعراض عنه! وما أفظع أن يقف الإنسان عند منتهى رحلته، فيلتفت إلى عمر كانيظنه طويلا، فلا يرى فيه من المآثر ما يوازي امتداده، ولا من الفضائل ما يشهد بحسن اغتنامه؛ كأن الأيام قد مرت به جميعا، ولم يمر هو بحقيقة الحياة إلا قليلا! فليس أعظم الخسران أن يوارى الجسد في التراب، فإن ذلك مصير كل حي؛ وإنما الخسران أن توارى المواهب قبل أصحابها في ركام الغفلة، وتدفن العزائم قبل الأجساد في مقابر التسويف، ويستنفد العمر كله في انتظار حياة لم يقدم صاحبها على أن يحياها! وإن من أشد الناس غبنا من لم يعرف أنه كان غنيا حتى افتقر إلى ما أضاع، ولا أنه كان قادرا حتى عجز عما أجل، ولا أنه كان يملك من العمر ما يصنع به مآثره حتى لم يبق له منه إلا ما يتحسر به على تفريطه! فيا أيها الإنسان، إنما أنت أيامك؛ فإذا انقضى يوم فقد انقضى بعضك، وإذا ضاع عمرك في غير ما ينفع، فما الذي بقي لك من نعمة الحياة غير حسرة التفريط فيها؟! واعلم أن أفجع ما يقال عند انطواء صحيفة العمر ليس: مات قبل أن يستوفي أيامه؛ بل: استوفى أيامه، ولم يستوف ما كان في وسعه من شرف الحياة! فما كل من عاش قد أحيا عمره، ولا كل من طال بقاؤه قد عظم أثره؛ وإنما الفجيعة الكبرى أن يبلغ الإنسان نهاية الحياة، ثم يكتشف أنه أنفق عمرا كاملا في كل شيء، إلا فيما كان ينبغي أن يعيش من أجله!