د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
عندما بلغتها أدركت أن الحياة لا تُقاس بما مضى من العمر، بل بما نضج فينا من وعي لم أكن أظن أن رقمًا في سجل العمر قادر على أن يغيّر طريقة النظر إلى الحياة، حتى بلغت الأربعين. عندها أدركت أن السنوات لا تمضي من أعمارنا فحسب، بل تأخذ معها أوهامًا، وتترك فينا حقائق، وأن الإنسان قد يحتاج إلى أربعين عامًا ليكتشف أن كثيرًا مما ركض خلفه لم يكن يستحق كل ذلك الركض، وأن أشياء ظنها صغيرة كانت في الحقيقة أعظم ما يملك. أدركت أن الحياة لا تمنحنا الحكمة في بداياتها، بل تتركنا نعبر طرقها، ونتعثر في منعطفاتها، ونخسر بعض ما نحب، حتى نتعلم كيف نرى الأشياء على حقيقتها.
الأربعون ليست عمرًا جديدًا بقدر ما هي عين جديدة نرى بها العمر والحياة والناس.
في العشرين، كنت أظن أن الحياة تكافئ المجتهد دائمًا، وأن النوايا الطيبة كافية لتكون العلاقات طيبة، وأن الطريق الواضح لا بد أن يقود إلى النهاية التي نريدها. ثم جاءت السنوات لتعلمني أن الحياة أكثر تعقيدًا من تصوراتنا، وأن الاجتهاد لا يمنع التعثر، وأن حسن النية لا يضمن حسن المعاملة، وأن بعض الأبواب التي أرهقنا أنفسنا في طرقها لم تكن لنا منذ البداية.
في الثلاثين، بدأت أفهم أن المسؤولية ليست مجرد قائمة من الواجبات، بل اختبارات يومية لقدرتنا على الصبر والاختيار والتنازل. كانت هناك أيام يمضي فيها الوقت بين العمل والالتزامات، ونؤجل أشياء نحبها إلى وقت أكثر ملاءمة، ونؤجل لقاءات مع أشخاص نحبهم لأننا نظن أن الوقت لا يزال متاحًا. ثم نكتشف أن بعض اللحظات لا تتكرر، وأن كلمة كان يمكن أن نقولها في وقتها تصبح ثقيلة حين نتأخر عنها.
وعندما بلغت الأربعين، وجدتني أراجع أشياء كثيرة لم أكن أتوقف عندها من قبل. استعدت مواقف تمنيت لو أنني تصرفت فيها بهدوء أكبر، وكلمات تمنيت لو أنني لم أقلها، وأخرى كان ينبغي أن أقولها ولم أفعل. تذكرت كم مرة انشغلت بإثبات وجهة نظري بدلًا من فهم من أمامي، وكم مرة منحت أمرًا عابرًا مساحة أكبر مما يستحق، وكم مرة انتظرت تقديرًا من أشخاص لم يكن في وسعهم أن يمنحوني إياه. ولم يكن استحضار تلك المواقف جلدًا للذات، بل محاولة لفهمها والتصالح معها؛ فليس من العدل أن نحاكم أنفسنا اليوم بوعي لم نكن نملكه بالأمس.
أدركت أن راحة البال ليست أمرًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق الطموحات، بل هي من أعظم المكاسب التي ينبغي ألا يفرط الإنسان فيها. وأن الانشغال بإرضاء الجميع طريق لا ينتهي، وأن محاولة إثبات الذات أمام كل عابر تستنزف من العمر أكثر مما تضيف إليه، فليس من الضروري أن يفهمك الجميع، ولا أن توافق على كل ما يقال، ولا أن تدخل كل معركة تُدعى إليها. ثمة مواقف يكون الصمت فيها أبلغ من الكلام، ويكون التجاوز فيها أرفع من الانتصار، ويكون الابتعاد فيها حفاظًا على ما تبقى من الود والكرامة.
ولعل أكثر ما تغير في داخلي أنني لم أعد أتعامل مع الخسارة بالطريقة نفسها. في السابق، كنت أرى أن فقدان شخص أو فرصة أو حلم هو نهاية شيء كان ينبغي أن يستمر. أما اليوم فأدرك أن بعض الخسارات، مهما أوجعتنا، تكشف لنا حقيقة لم نكن نريد رؤيتها، وأن بعض النهايات تضعنا أمام أنفسنا، وتجبرنا على إعادة ترتيب ما اختل من أولوياتنا. لا يعني ذلك أن الخيبة أصبحت سهلة، أو أن الفقد لا يؤلم، ولكنني تعلمت ألا أسمح للحظة مؤلمة بأن تختصر حكاية عمر كامل.
وأدركت أن الناس لا تُعرف حقائقهم بكثرة أحاديثهم، ولا بما يقدمونه من وعود، وإنما بما تكشفه المواقف عند الحاجة. فثمة أشخاص لا تجمعك بهم سنوات طويلة، لكن موقفًا واحدًا منهم يكفي لتعرف معدنهم، وثمة علاقات امتدت أعوامًا، ثم كشفت الأيام أن ما كان يجمعها لم يكن بالعمق الذي تصورناه. وليس في ذلك ما يدعو إلى سوء الظن بالناس، وإنما هو فهم أكثر واقعية لطبيعة العلاقات الإنسانية؛ فلكل إنسان طبيعته، ولكل علاقة حدودها، وليس من الحكمة أن نحمّل الآخرين ما لا يستطيعون حمله، أو ننتظر منهم ما لم يعدوا به.
وفي هذه المرحلة، يتعلم المرء أن الاختلاف لا يستوجب الخصومة، وأن خسارة بعض النقاشات قد تكون مكسبًا للنفس، وأن الاعتذار لا ينتقص من القدر، وأن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة لا يمتلكها إلا من تجاوز أسر الصورة التي يريد أن يظهر بها أمام الآخرين. كما يدرك أن المكانة الحقيقية لا تصنعها الألقاب وحدها، ولا المناصب، ولا كثرة من يحيطون بالإنسان، وإنما تصنعها أخلاقه، وصدقه، وعدله، وما يتركه من أثر طيب في حياة الناس.
ومن أعظم ما تكشفه الأربعون للإنسان أن الوقت أثمن من أن يُهدر في خصومات صغيرة، ومنافسات لا تنتهي، ومقارنات لا تجلب إلا القلق. فلكل إنسان طريقه، ولكل تجربة ظروفها، وليس من الإنصاف أن نقيس نجاحنا بما حققه الآخرون، أو أن نجعل حياتنا سباقًا دائمًا مع من حولنا. النجاح الحقيقي أن تتقدم في طريقك، وأن تعرف قيمة ما تملك، وأن تسعى إلى الأفضل دون أن تفقد نفسك في الطريق إليه.
كما أن الأربعين تعيد ترتيب الأولويات. فالأسرة ليست تفصيلًا في جدول الحياة، والأبناء ليسوا مجرد مسؤولية مادية وتعليمية، بل هم أعمار أخرى نعيشها، وأمانة تستحق أن نمنحها حضورنا واهتمامنا. والوالدان نعمة لا يدرك عظيم قدرها إلا من تأمل معنى الفقد، أو استشعر أن الأيام تمضي بهما كما تمضي به. والأصدقاء الصادقون ثروة لا تقاس بكثرتهم، بل بما يحملونه من وفاء، وما يمنحونه من صدق ومودة.
وفي لحظات التأمل، أجد أن أكثر ما يستحق المراجعة ليس ما أنجزته، بل ما فاتني وأنا منشغل بالإنجاز. كم من جلسة عائلية كان يمكن أن أكون فيها أكثر حضورًا، وكم من حديث كان يستحق أن أصغي إليه بدلًا من أن أستعجل نهايته، وكم من لحظة جميلة مرت دون أن أمنحها حقها من الامتنان. لقد علمتني السنوات أن الحضور الحقيقي لا يُقاس بأن تكون موجودًا في المكان، بل بأن تمنح من تحب وقتك وانتباهك وقلبك.
وفي خضم هذه المراجعات، تبرز حقيقة أكبر من كل الطموحات والمكاسب: أن علاقة الإنسان بربه هي الأصل الذي ينبغي أن تستقيم عليه بقية علاقاته وأعماله. فكم من إنسان بلغ من النجاح ما كان يتمناه، لكنه افتقد السكينة، وكم من إنسان قلّ ما في يده، لكنه يملك من الرضا ما يجعله أغنى من كثيرين. ليست الدعوة إلى ترك الدنيا، ولا إلى التخلي عن الطموح، وإنما إلى وضع الأشياء في مواضعها، وألا تتحول الوسائل إلى غايات، وألا يطغى السعي وراء المكاسب على الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان.
ولا تعني الأربعون أن الإنسان أصبح محصنًا من الخطأ، أو أنه بلغ من الحكمة مبلغًا لا يحتاج معه إلى التعلم؛ بل ربما كانت من أجمل خصائص هذه المرحلة أن المرء يصبح أكثر استعدادًا لمراجعة أفكاره، وأقل تمسكًا بما كان يعتقده لمجرد أنه اعتقده طويلًا. فالنضج ليس أن تملك إجابة عن كل سؤال، وإنما أن تعرف كيف تتعامل مع الأسئلة، ومتى تتحدث، ومتى تصغي، ومتى تعيد النظر.
وقد يكون من أهم دروس العمر أن ما فات لا يعود، وأن الندم الطويل لا يصلح ما أفسدته الأيام، وأن التجارب مهما كانت قاسية يمكن أن تتحول إلى معرفة إذا أحسن الإنسان قراءتها. فلا ينبغي أن يعيش أسير قرار قديم، أو موقف عابر، أو خسارة انتهت أسبابها. فالحياة لا تتوقف عند صفحة لم تكتمل، وما زال في العمر متسع لعمل صالح، وعلاقة تُصلح، وعلم يُطلب، وأثر يُترك.
وعندما بلغت الأربعين، أدركت أن السؤال الأهم لم يعد: ماذا حققت حتى الآن؟ بل: ماذا أريد أن أترك بعدي؟ فالألقاب تزول، والمناصب تتغير، والأضواء تخفت، ولا يبقى للإنسان إلا عمله، وذكره الحسن، وما قدمه من نفع، وما غرسه في نفوس من حوله من قيم ومعانٍ.
الأربعون ليست نهاية مرحلة الشباب، ولا إعلانًا عن انطفاء الطموح، وإنما بداية مرحلة أكثر وعيًا بما يستحق أن نمنحه أعمارنا. إنها دعوة هادئة إلى أن نعيش بصدق أكبر، ونختار معاركنا بعناية، ونحفظ قلوبنا من الأحقاد، ونمنح أهلنا وأحبابنا ما يستحقونه من وقت واهتمام.
فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بما أضفناه إليها من معنى، ولا بقائمة الإنجازات التي نعرضها، بل بالأثر الذي يبقى بعد انصرافنا. ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من الأربعين أن يدرك أن العمر الذي مضى كان فرصة للتعلم، وأن العمر الذي بقي فرصة للإحسان؛ وأن أجمل الإنجازات ليست دائمًا تلك التي يراها الناس، بل ما يصلح به الإنسان قلبه، ويطيب به أثره، ويكون به أقرب إلى الله.
لم تعد الأربعون سؤالًا عمّا مضى من العمر، بل سؤالًا عمّا يستحق أن نمنحه ما بقي منه.