د. سلطان مشعل
ليست السياسة مجرد قرارات تُتخذ بل معركة متشابكة بين من يملك سلطة القرار ومن يمتلك القدرة على التأثير فيه.
وبين الفعل السياسي والفاعل السياسي تتشكل خرائط النفوذ وتتحدد موازين القوة وتُصنع التحولات الكبرى. الفاعل السياسي ليس بالضرورة أن يكون رئيس دولة أو وزيرًا أو قائد حزب، وينطبق ذلك على الأفراد والجماعات والمؤسسات التي تمتلك قدرة فعلية على التأثير المباشر أو غير المباشر في القرارات السياسية أو أولوياتها أو البيئة التي تُصنع فيها.
قد يكون الفاعل السياسي مؤسسة رسمية أو حزبًا أو جماعة أو فئة اجتماعية أو قوة اقتصادية أو وسيلة إعلام أو مركز أبحاث أو دولة خارجية. ولا تتحدد مكانته السياسية بمجرد حضوره في المشهد بل بمقدار ما يمتلكه من أدوات ومدى قدرته على استخدامها.
ومن ثم فإن تحليل الفاعلين السياسيين يقتضي التمييز بين من يملك القرار ومن يؤثر فيه ومَن يستطيع تعطيله ومن يملك القدرة على تنفيذه؟.
هذه الأدوار قد تجتمع في فاعل واحد وقد تتوزع بين أطراف تتنافس وربما تتبادل التأثير. فالنفوذ السياسي لا يُصنع بأداة واحدة بل عبر مسارات متداخلة تبدأ بالفهم والتحليل لقراءة موازين القوى والمصالح والاتجاهات واستشراف الفرص والمخاطر قبل اتخاذ القرار.
يلي ذلك إنتاج المعرفة لبناء الأفكار والمعلومات والتقديرات التي تساعد على تفسير الواقع وصياغة البدائل.
ثم يأتي دور الخطاب السياسي ليحوّل الأفكار إلى رسائل ومواقف قابلة للتداول والتأثير في النخب والجمهور. وعلى ضوء ذلك يتشكل الوعي للتأثير في تصورات المجتمع وأولوياته ومواقفه تجاه القضايا والأحداث. أما الفعل المباشر فيعني استخدام القرار والتفاوض والتحالف والضغط والحشد لتحقيق أهداف محددة.
ولا ينبغي إغفال دور الفنون والثقافة من خلال توظيف الأدب والسينما والموسيقى والرموز الثقافية في تشكيل الصورة الذهنية والهوية والوجدان العام. ولا تعمل هذه المسارات بمعزل عن بعضها، فالمعرفة قد تتحول إلى خطاب والخطاب قد يعيد تشكيل الوعي والوعي قد يهيئ المجال للفعل، فيما تمنح الثقافة الرسائل السياسية قدرة أوسع على الانتشار والاستمرار. وكلما أحسن الفاعل الربط بين هذه المسارات ازدادت فرصته في تحويل موارده إلى نفوذ فعال. والتجارب الدولية تكشف لنا أن صناعة النفوذ لا تقتصر على القوة العسكرية ولا حتى على السيطرة المباشرة. بل قد تتحقق عبر الاقتصاد والمعرفة والثقافة والتحالفات. فخلال الحرب الباردة لم يقتصر التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على القدرات العسكرية بل امتد إلى البحث العلمي والفضاء والإعلام والدعاية والثقافة في محاولة من كل طرف لإثبات تفوق نموذجه وكسب التأييد الدولي.
كما مثّلت خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مثالًا على توظيف المساعدات الاقتصادية في دعم التعافي وبناء الشراكات وتعزيز الحضور الأمريكي في أوروبا الغربية. فقد تجاوز أثرها الجانب المالي إلى تشكيل علاقات استراتيجية طويلة الأمد.
وفي تجربة الصين أتاح مشروع الحزام والطريق توسيع الحضور الدولي عبر الاستثمار في البنية التحتية والنقل والتجارة والربط الاقتصادي، وهكذا أصبح الاقتصاد وسيلة لتعزيز العلاقات وتوسيع المصالح إلى جانب أدوات السياسة والدبلوماسية التقليدية.
وهذا لا يلغي دور القوة الصلبة بل يؤكد أن التأثير الدولي غالبًا ما ينتج من تفاعل أدوات متعددة وأن الدولة الأقدر ليست صاحبة أكبر مورد منفرد بل الأقدر على توظيف مواردها في منظومة متكاملة.
فقد يمتلك طرف سلطة القرار بينما يمتلك آخر مفاتيح التأثير فيه. وهنا يتحدد الفارق بين امتلاك القوة وصناعة النفوذ.