د. أنس عضيبات
في واقعنا المعاصر المزدحم بالصور النمطية واللهث خلف الاستحسان اللحظي، لم تعد الأزمة الحقيقية التي تواجه الإنسان تكمن في صراعاته المادية، بل في ظاهرة نفسية واجتماعية تتسلل بصمت وتُعرف بـ تسطيح الذات (Self-Flattening) إنها الجريمة غير المعلنة التي يرتكبها الفرد بحق روحه، حين يختزل كيانه المتكامل بكل ما يزخر به من عمق فكري، وأبعاد وجدانية، وقيم متجذرة، في قالب أحادي مبسط يسهل تصنيفه وعرضه، متنازلاً عن ثرائه الإنساني ليتحول إلى مجرد «نسخة مصقولة» جاهزة للاستهلاك، تفقد مع الوقت قدرتها على الشعور الحقيقي والتأمل الحر.
يتغذى هذا التسطيح في جوهره على وهم القبول السريع في الفضاء الرقمي، حيث تحولت قيمة الفرد من بناء قيمي وأخلاقي ينمو بالنضج والتجارب، إلى مجرد تفاعلات وأرقام عابرة تمليها لوغاريتمات جامدة، حيث يعتاد الإنسان تدريجياً على التعبير عن ذاته برموز مقتضبة، والتخلي عن تعقيداته النفسية وأسئلته الوجودية لحساب ما يطلبه الجمهور، ما يخلق حالة حادة من «الاغتراب الذاتي»، كما يجد المرء نفسه أسيراً لصورة افتراضية باهتة لا تشبهه، ويغرق في فراغ وجودي مقلق يُجبره على الاستمرار في ارتداء القناع، خوفاً من انكشاف ضعفه البشري الطبيعي أو اختلافه الذي يمنحه فرادته وأصالته.
وعلى المستوى الأسري والاجتماعي، ينعكس هذا التسطيح كارثياً على البيوت والروابط الإنسانية، إذ يؤدي إلى جفاف المشاعر واضمحلال الإنصات الوجداني الحقيقي، كما تتحول العلاقة بين الشركاء أو بين الآباء والأبناء من مساحة أمان قائمة على الاحتواء والمكاشفة والرحمة، إلى علاقات وظيفية استهلاكية تحكمها المظاهر وسرعة الإيقاع وتأدية الواجبات الآلية فعندما يتسطح الإنسان داخلياً، يعجز عن فهم شريك حياته بعمق، ويصبح غير قادر على استيعاب اضطرابات أبنائه النفسية ومشاعرهم المركبة، فتتحول المنازل إلى جزر معزولة يسكنها أفراد غرباء تجمعهم الجدران وتفصلهم برودة الأقنعة.
كما يمتد هذا التآكل ليصيب النسيج المجتمعي بأكمله، فالمجتمعات التي يُفرغ أفرادها من العمق الإنساني تصبح بيئات هشة وعرضة للأحكام السطحية والاستقطاب الحاد، كما يغيب التعاطف الخلاق ويحل محله تواصل براغماتي جاف يقيس الآخر بمقدار منفعته أو بريقه الخارجي إن غياب التفكير التأملي والحوار الصادق يُنتج مجتمعاً استنساخياً هشاً، يسهل التلاعب بوعيه، وتغيب عنه القدرة على التماسك في وجه التحديات الكبرى، لأن الروابط التي لا تُبنى على أصالة المشاعر والوعي المشترك سرعان ما تنكسر عند أول منعطف حقيقي.
إن العبرة الجوهرية والرسالة التي نوجهها لكل بيت ولكل فرد هي أن نجاة الأسرة وتماسك المجتمع يبدآن من استعادة الإنسان لعمقه المفقود ورفض التطبيع مع السطحية، وعلينا أن نملك شجاعة نزع الأقنعة داخل بيوتنا، وأن نربي أبناءنا على أن قيمتهم لا تُستمد من تملق العيون بل من طهارة السريرة وجمال النضج الداخلي إن كرامة الكيان الإنساني وسر جاذبيته يكمنان في هذا الامتلاء الروحي والفكري؛ فاسترداد الذات من قاع التسطيح ليس رفاهية نملك تأجيلها، بل هو الملاذ الأخير لحماية إنسانيتنا ودفء بيوتنا قبل أن تبتلعنا دوامة القوالب الجاهزة.