حين تسأل طفلاً صغيراً في أي بقعة من العالم عن السعودية، يرتسم على وجهه ابتسامة الفخر ويجيبك ببراءة صادقة عن تلك الأرض الطيبة التي يعشقها الملايين، محدثاً إياك عن مكانتها الفريدة في قلوب المسلمين باعتبارها مهبط الوحي وقبلة الصلاة، وعن أياديها البيضاء وفضلها العظيم على العالم من خلال مواقفها الإنسانية النبيلة ومد يد العون للمحتاجين في كل مكان، لتبدو المملكة في عيون أطفال العالم رمزاً للخير والسلام والعطاء الذي لا ينقطع، ووطناً روحياً كبيراً يسكن وجدان الأجيال صغاراً وكباراً.
تتبوأ المملكة العربية السعودية موقع الصدارة والقيادة في منطقة الشرق الأوسط، وتفرض حضوراً استثنائياً على الخريطة الدولية، وهو نتاج تداخل معقد لجوانب جغرافية، واقتصادية، وسياسية، ودينية، وتاريخية.
إن هذا الثقل الاستراتيجي جعل من الرياض المحرك الأساسي للاستقرار والتنمية في المنطقة، والقوة القيادية الأولى التي تصوغ التوازنات الإقليمية وتدافع عن مقدرات العالم العربي والإسلامي، ولأن النفوذ الكبير والقيادة الناجحة يترتب عليهما بالضرورة تحديات وضغوط جسيمة، فقد تعرضت المملكة عبر تاريخها، وتتعرض اليوم بشكل متزايد، لحملات استهداف ممنهجة ومحاولات تقويض مستمرة من أطراف متعددة تسعى للتأثير على قوتها أو تعطيل مسيرتها المتسارعة نحو المستقبل.
تُعد المملكة عماد الاقتصاد العالمي ومركز القوة المالية في الشرق الأوسط بامتلاكها لاحتياطات نفطية هائلة وتحكمها في مفاصل أسواق الطاقة الدولية، وبصفتها المصدر الأبرز والموازن الأساسي لأسعار النفط، تشكل الرياض ركيزة لا غنى عنها لاستقرار الاقتصاد الكلي في العالم وأمن سلاسل الإمداد، هذا الدور المحوري يغري أطرافا عدة بمحاولة الضغط على المملكة لخدمة أجندات اقتصادية وسياسية ضيقة ومصالح فئوية عابرة للحدود، كما أن طموحات رؤية السعودية 2030، وما حققته من تحول اقتصادي هائل، وتنويع مصادر الدخل، وتطور تقني وصناعي غير مسبوق، جعل الرياض القاطرة الاقتصادية التي تقود المنطقة بأسرها نحو عصر ما بعد النفط، وهو ما لا تتقبله بعض القوى الإقليمية والدولية التي تخشى تراجع نفوذها لمصلحة هذا الصعود السعودي السريع والمنظم.
وإلى جانب قوتها الاقتصادية المباشرة، تبرز السعودية كقوة قيادية ودبلوماسية لا يُستغنى عنها في هندسة الاستقرار والأمن الإقليمي، ففي منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات والحروب الأهلية، تفرض الرياض حضورها كصمام أمان رئيسي ومركز القرار العربي وموجّه السياسات الإقليمية.
تقود المملكة مساعي التهدئة الدبلوماسية، وحل الأزمات المعقدة بالطرق السلمية، ومكافحة التدخلات الخارجية التي تستهدف سيادة الدول العربية ووحدتها وسلامة أراضيها، إن هذا الدور القيادي والمسؤول يزعزع خطط المشاريع التوسعية لبعض الدول التي تسعى لملء الفراغات الأمنية أو فرض هيمنتها عبر الميليشيات الطائفية والفوضى المدبرة، ولذلك، فإن إضعاف السعودية يمثل في حسابات تلك الأطراف مفتاحاً أساسياً لتمرير مشاريع الهيمنة الإقليمية وتفكيك المنظومة العربية المشتركة، وعلى رأسها مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية.
ولا يقتصر الاستهداف على الجوانب السياسية والاقتصادية والدينية فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الإعلامي والسيبراني الواسع، حيث تشهد المملكة بشكل دوري حملات تضليل منظمة تقودها شبكات ذباب إلكتروني وقنوات إعلامية موجهة، تهدف إلى زرع الفتنة، وتضخيم التحديات الداخلية واختلاق الأزمات الوهمية، وتشويه الإنجازات الكبرى التي تحققها المشاريع الوطنية الرائدة مثل نيوم والدرعية والبحر الأحمر وغيرها من المشاريع العملاقة التي تعيد رسم خارطة المستقبل للمنطقة بأسرها، إلا أن الوعي المجتمعي الكبير واللحمة الوطنية القوية والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب السعودي كانا دائماً الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كل تلك المحاولات البائسة.
تتجسد أبعاد هذا الاستهداف المستمر أيضا في الحرب السيبرانية وتقنيات الجيل الجديد من الحروب النفسية والمعلوماتية التي تسعى للنيل من المكتسبات الرقمية الكبرى التي حققتها المملكة في مجالات الحكومة الذكية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، حيث تتبوأ الرياض صدارة المراكز الإقليمية والدولية في حماية البنى التحتية الحيوية، مما يجعلها هدفا دائما للفرق الهجومية والجهات المعادية الساعية لتعطيل الابتكار التقني وتشويه النهضة المعرفية. وفي سياق متصل، فإن دور المملكة الرائد في قيادة العالم الإسلامي وحماية مقدساته يعرضها لمحاولات دؤوبة تهدف إلى تسييس المنابر الدينية أو التقليل من الجهود العظيمة التي تبذلها خدمة لضيوف الرحمن، لتظل السعودية دائما الحصن الحصين في وجه دعاة التطرف والفرقة، ورمزاً للاعتدال والوسطية الذي يستلهم إرثه التاريخي العريق ليمضي بثبات نحو مستقبل واعد ومزدهر يعم نفعُه المنطقة بأسرها.
إضافة إلى ذلك، تتجلى خطورة استهداف السعودية في كونها القوة العسكرية والأمنية التي تحمي الممرات المائية الحيوية وطرق التجارة البحرية العالمية التي تعبر المنطقة، وعلى رأسها مضيق باب المندب والبحر الأحمر، إن النهوض بهذه المسؤولية الاستراتيجية الكبرى يجعل الرياض حارساً حقيقياً لحرية الملاحة الدولية واستقرار التجارة العالمية، وهو دور يصطدم بشكل مباشر مع القوى الفوضوية والجماعات الخارجة عن القانون التي تسعى لتهديد أمن البحر الأحمر وتحويل المنطقة إلى ساحة للابتزاز الدولي والتأثير سلباً على الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، يبرز الحضور السعودي القوي في التكتلات الدولية الكبرى، مثل مجموعة العشرين، كصوت يعبر عن تطلعات دول الجنوب العالمي والعالمين العربي والإسلامي، إن قدرة الرياض على صياغة التوافقات في المحافل الدولية وبناء تحالفات متوازنة متعددة الأقطاب تسهم في إعادة تشكيل النظام الدولي ليكون أكثر عدالة، وهو ما يدفع بعض الأطراف التقليدية لمحاولة التشكيك في طموحات المملكة وتأثيرها متزايد الأهمية على مستوى صناعة القرار العالمي.
إن استهداف السعودية ليس وليد اللحظة أو وليد ظروف عارضة، بل هو ضريبة طبيعية للنجاح والريادة والمكانة القيادية الرفيعة التي تستحقها عن جدارة كعاصمة القرار في الشرق الأوسط. وكلما مضت المملكة قُدما في طريق التحديث والازدهار والتحول الوطني وترسيخ الاستقرار الإقليمي والعالمي، كلما زادت شراسة المحاولات الفاشلة لتعطيل مسيرتها التنموية.
وبفضل حنكة قيادتها الحكيمة، ووعي أبنائها الأوفياء، وقوة مؤسساتها، ستظل السعودية حصناً منيعاً، تواصل حضورها المؤثر كقوة استقرار محورية ولاعب قيادي لا غنى عنه في خارطة العالم الحديث.
** **
- د. أحمد حساني