فضل بن سعد البوعينين
بعد أن كان تركيز العالم منصبا على حجم إنتاج النفط والغاز، واستدامته، أصبح اليوم، مهتما بتأمين مساراته، وضمان إيصاله وجهته النهائية. لم تعد خطوط الشحن، والملاحة البحرية آمنة، مع الأزمات الجيوسياسية، والهجمات المباشرة على الناقلات ومنشآت النفط، ومعامل التكرير، ما تسبب في أزمة إمدادات عالمية أضرت بالاقتصاد العالمي. قطع خطوط الملاحة البحرية، وتوقف التصدير بعد استهداف الناقلات، وأزمة مضيق هرمز، تسبب في توقف الإنتاج لدى بعض دول الخليج، ما أثر سلبا في حجم الإمدادات وتسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز، والمشتقات البترولية التي وصلت أسعارها، مستويات قياسية غير مسبوقة.
لم يعد أمن الطاقة مرتبطا بمواقع الإنتاج فحسب، بل بات على علاقة بخطوط الملاحة البحرية، والتهديدات الجيوسياسية، وحجم التدفقات الاستثمارية الداخلة لقطاع الطاقة، وكفاءة المنظومة، وقدرتها على مواجهة الأزمات الطارئة، والتعافي السريع، وخلق بدائل مناسبة لضمان استدامة الإنتاج، والتصدير بأمان.
يؤكد وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، أن أمن الطاقة «يتطلب منظومات أكثر مرونة، واستثمارات مستمرة، وشراكات موثوقة قادرة على مواجهة التحديات وضمان استمرارية الإمدادات». أثبتت المتغيرات الدولية والاقتصادية والجيوسياسية الحالية، أهمية مرونة منظومات الطاقة، وقدرتها على مواجهات الأزمات، وأهمية الاستثمارات المشتركة، التي تحول كبار المستهلكين إلى شركاء موثوقين يسهمون في تدفق الاستثمارات النوعية، ويعززون الملاءة المالية، ويشاركون في تحقيق أمن الطاقة، حماية لاستثماراتهم، وواردات دولهم النفطية.
عملت المملكة منذ عقود على تحقيق مرونة منظومة الطاقة، وبما يعزز أمنها، ويجنب العالم أزمات اقتصادية بسبب شح الإمدادات وارتفاع الأسعار. الأكيد أن الاستثمار في تحقيق مرونة منظومة الطاقة، مكن المملكة من حماية اقتصادها، واستدامة صادراتها النفطية، وبالتالي مواردها المالية، وأسهم، في الوقت عينه، بتعزيز أمن الطاقة، والمشاركة في حماية الاقتصاد العالمي من الأزمات.
عندما تضخ المملكة استثمارات ضخمة في قطاع الاستكشاف والإنتاج، وتحتفظ بطاقة إنتاجية فائضة تفوق مليوني برميل يوميا، فهي تسهم بشكل مباشر في تحقيق أمن الطاقة، برغم تكلفتها العالية، وحجب تلك الاستثمارات عن قطاعات الاقتصاد الأخرى الأكثر حاجة للإنفاق، والتنمية، والمعززة للعوائد الرأسمالية والتنموية.
استثمرت المملكة أموالا طائلة، لتعزيز كفاءتها الإنتاجية وجاهزيتها في مواجهة الأزمات العالمية، وخلق بدائل لتصدير النفط، وضمان استدامة الإمدادات للأسواق العالمية. تنوعت البدائل بين خطوط النقل الرابطة بالموانئ، وشبكات التوزيع، ومرافق التخزين، وخطوط الأنابيب الرابطة بين شرق المملكة وغربها. كما استثمرت في توطين الصناعات التي يحتاجها قطاع النفط والغاز، و بناء الكفاءات البشرية الوطنية، التي كان لها بعد الله، الفضل في تجاوز أزمات حرجة استهدفت منشآت نفطية وأنابيب نقل، ومضخات، وتمكنت من تسريع عمليات التعافي منها، إضافة إلى إدخالها تقنيات معززة لضخ مزيد من كميات النفط في خطوط الأنابيب الناقلة، تفوق طاقتها الاستيعابية الأولية، إضافة إلى استثماراتها في الطاقة المتجددة، وبما يعزز موثوقيتها العالمية.
الأمر الثابت، أن المساهمة في تعزيز أمن الطاقة العالمي يتطلب تحقيق الأمن والسلام الدوليين، وضخ استثمارات ضخمة في قطاع الإنتاج، والنقل، والتوزيع، والخدمات اللوجستية، ما يتطلب المشاركة العالمية في جانبين مهمين الأول الشراكات الاستثمارية النوعية، والثاني حماية المنشآت النفطية، وردع كل من يستهدفها، وتحقيق أمن الصادرات من خلال توفير الأمن الشامل للمرات البحرية وناقلات النفط.
الاستثمار في قطاع الطاقة، الاستكشاف والإنتاج، والتكرير، على وجه الخصوص أمر مهم، فلا يمكن للدول المنتجة ضخ مزيد من الاستثمارات في أوضاع غير مستقرة، أو في قطاع تحيط بمستقبله الضبابية، ما قد ينعكس سلبا على جودة الاستثمار، والعوائد المالية، خاصة في الأوضاع الاقتصادية الحرجة. فبدائل الاستثمار في قطاعات مختلفة، مستقرة ومربحة، يمكن أن تكون بديلة للاستثمار في قطاع النفط، الذي يشكل شريان الحياة للدول الصناعية، خاصة مع التحولات الاقتصادية، التي تعتمد تنويع مصادر الاقتصاد، قاعدة لها.
تداعيات الأزمة الإيرانية الأمريكية، ومضيق هرمز، على مسارات الإمداد، ومناطق الإنتاج، وناقلات النفط والغاز، انعكست سلبا على الأسواق العالمية، والاقتصاد العالمي الذي يعاني من أزمات سابقة، توشك أزمة إمدادات النفط ومشتقاته، أن تعصف بما تبقى له من استقرار مصطنع، ما يتطلب تكثيف الجهود الدولية، لتحقيق أمن الطاقة ومرونة قطاعاته، والمشاركة الفاعلة في حماية خطوط الملاحة البحرية، والناقلات، والمنشآت النفطية، وبناء شراكات استثمارية معززة للطاقة، ولأمنها، وحماية القطاع من التشريعات الانتقائية التي تهدد مستقبله، وتحد من تدفق الاستثمارات في قطاع الطاقة، ما قد يتسبب مستقبلا في نشوء أزمة طاقة عالمية لا يمكن الخروج منها بسهولة.