أنس تشكالا
تأمّل قليلًا ما تملكه اليوم، ثم تذكّر الأشياء التي كنت تتمنى امتلاكها قبل سنوات. ربما كنت ترى في هاتف جديد، أو قطعة ملابس، أو سيارة، أو منزل أكثر اتساعًا، شيئًا سيجعل حياتك أفضل مما هي عليه. وربما بذلت جهدًا حتى حصلت على بعض ما أردت، وشعرت حينها بفرح حقيقي. لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ هل ظلّ ذلك الشيء يمنحك الشعور نفسه، أم أصبح جزءًا عاديًا من حياتك، ثم ظهرت رغبة أخرى، وبدأت رحلة جديدة نحو شيء آخر؟
ليست المشكلة في أن نرغب في الأشياء، ولا في أن نسعى إلى تحسين ظروفنا أو الاستمتاع بما نملك. فالرغبة جزء طبيعي من الحياة، والإنسان يحتاج إلى ما ييسر عيشه ويمنحه الراحة. لكن ما يستحق التأمل هو أن الأشياء التي نظنها كافية لإسعادنا لا تحتفظ دائمًا بمكانتها في نفوسنا بعد أن نحصل عليها. ننتظرها طويلًا، ونفكر فيها كثيرًا، ثم نعتاد وجودها، وكأن المسافة بين الرغبة والامتلاك كانت أكثر إثارة من الشيء نفسه. وما إن يصبح ما نملكه مألوفًا حتى تبدأ أعيننا في البحث عن شيء جديد.
هكذا تبدو علاقتنا بالأشياء في كثير من الأحيان: نرغب، ونسعى، ونحصل، ثم نعتاد، فنرغب من جديد. وقد لا يكون هذا المسار مشكلة في ذاته، لولا أنه يتحول أحيانًا إلى دائرة لا تمنحنا فرصة كافية للشعور بالاكتفاء. فما كان حلمًا بالأمس يصبح اليوم أمرًا عاديًا، وما كنا نعدّه رفاهية يصبح بعد مدة ضرورة في نظرنا، وما كنا نراه كافيًا لحياة مريحة يبدو فجأة أقل مما ينبغي. تتغير الأشياء من حولنا، لكن الأغرب أن معيار الكفاية يتغير معها، فلا نكاد نصل إلى حد نشعر عنده بأن ما لدينا يكفينا.
ولعل جزءًا من هذه المفارقة يرتبط بقدرتنا على الاعتياد. فالإنسان يستطيع أن يتكيف مع أشياء كثيرة، حتى تلك التي كان يظن أن امتلاكها سيغير حياته تمامًا. وما إن تصبح جزءًا من يومه حتى يفقد حضورها الاستثنائي، ويبدأ في التعامل معها بوصفها أمرًا مألوفًا. الهاتف الذي انتظرناه طويلًا يصبح جهازًا نستخدمه دون أن نفكر فيه، والملابس التي اشتريناها بشغف تنضم إلى غيرها في الخزانة، والبيت الذي فرحنا بالانتقال إليه يتحول إلى المكان الذي نغادره كل صباح ونعود إليه في المساء. ليست هذه علامة على جحود الإنسان بالضرورة، بل إحدى طرق النفس في التكيف مع ما يتكرر. غير أن الاعتياد، حين لا ننتبه إليه، قد يجعلنا نبحث باستمرار عن متعة البداية، دون أن نتعلم كيف نرى قيمة ما أصبح مألوفًا.
وتزداد هذه الدائرة تعقيدًا في عالم يدفعنا إلى الاستهلاك باستمرار. فالإعلانات لا تكتفي بتعريفنا بمنتج جديد، بل تقدم لنا أحيانًا صورة لحياة كاملة يُفترض أن نحصل عليها إذا امتلكناه. لا نرى الهاتف بوصفه وسيلة للتواصل فحسب، بل بوصفه علامة على الحداثة والنجاح. ولا تبدو قطعة الملابس مجرد شيء نرتديه، بل جزء من صورة نريد أن نكون عليها. وقد يُقدَّم لنا منتج بسيط على أنه الطريق إلى مزيد من الثقة أو القبول أو السعادة، حتى نبدأ في ربط شعورنا بأنفسنا بما نشتريه، لا بما نعيشه فعلًا.
ولا تعمل هذه الرسائل وحدها؛ فهناك المقارنة اليومية التي تجعل الأشياء أكثر من مجرد أشياء. حين نرى ما يملكه الآخرون، قد تتغير نظرتنا إلى ما نملكه نحن. الشيء الذي كان يرضينا بالأمس يبدو أقل جاذبية حين نراه إلى جانب شيء أحدث أو أغلى أو أكثر انتشارًا. وقد نشتري ما لا نحتاج إليه، لا لأننا اكتشفنا حاجة جديدة، بل لأننا لا نريد أن نشعر بأننا أقل من غيرنا. وفي هذه الحالة، لا يصبح الاستهلاك استجابة لحاجة حقيقية بقدر ما يصبح محاولة لتعويض شعور بالنقص صنعته المقارنة أو غذّته.
والمفارقة أن كثرة الخيارات لا تعني بالضرورة مزيدًا من الرضا. فقد يجد الإنسان نفسه محاطًا بأشياء كثيرة، لكنه لا يزال يشعر بأن شيئًا ما ينقصه. تمتلئ الخزانة، وتتعدد الأجهزة، وتتراكم المقتنيات، بينما يظل الشعور بالاكتفاء مؤجلًا إلى عملية الشراء التالية. وكأننا ننتظر من الأشياء أن تمنحنا إحساسًا داخليًا لا تستطيع وحدها أن تضمنه. فالممتلكات قد توفر الراحة، وتيسر الحياة، وتمنحنا المتعة، لكنها لا تحل تلقائيًا كل ما يتعلق بعلاقتنا بأنفسنا أو بنظرتنا إلى الآخرين أو بتوقعاتنا من الحياة.
وربما لهذا السبب لا تتوقف الرغبة عند حد معين. فحين نربط سعادتنا بما نملكه، يصبح كل امتلاك جديد وعدًا بفرح إضافي، لكن هذا الفرح قد يخفت بعد أن نعتاد الشيء، فنحتاج إلى وعد آخر. لا يعود السؤال عندئذ: ما الذي أحتاج إليه فعلًا؟ بل: ما الشيء التالي الذي يمكن أن يمنحني شعورًا أفضل؟ ومع تكرار هذا السؤال، قد تتحول حياتنا إلى سلسلة من المشتريات الصغيرة والكبيرة، نلاحق من خلالها شعورًا عابرًا، ثم نستغرب لماذا لم يستقر الرضا في داخلنا رغم كل ما حصلنا عليه.
وليس المقصود أن نلوم أنفسنا على كل رغبة، أو أن نعدّ شراء الأشياء ترفًا غير ضروري. فالناس يختلفون في ظروفهمواحتياجاتهم، وما يمثل رفاهية لشخص قد يكون ضرورة لآخر. كما أن تحسين مستوى المعيشة حق مشروع، والفرح بما نشتريه ليس أمرًا ينبغي الشعور بالذنب تجاهه. لكن الفرق مهم بين أن نشتري لأننا نحتاج إلى شيء أو نستمتع به، وأن نشتري لأننا نعتقد أن كل شيء جديد سيجعلنا أكثر قيمة أو أكثر قبولًا أو أكثر رضا عن حياتنا.
في الحالة الأولى، تخدمنا الأشياء؛ أما في الثانية، فقد نبدأ في خدمة رغبات لا تنتهي.
وقد يكون من المفيد أن نتوقف قليلًا قبل كل شراء، لا لنحرم أنفسنا مما نحب، بل لنسأل: هل أحتاج إلى هذا الشيء فعلًا؟ هل سيضيف إلى حياتي قيمة واضحة، أم أنني أريده لأنني رأيته عند الآخرين؟ وهل أرغب فيه منذ مدة، أم أن الرغبة ظهرت فجأة بعد إعلان أو مقارنة أو لحظة ملل؟ ليست هذه الأسئلة دعوة إلى تعقيد أبسط تفاصيل الحياة، لكنها تساعدنا على التمييز بين الحاجة والرغبة العابرة، وبين ما نختاره بوعي وما ننجذب إليه دون تفكير.
كما أن استعادة قيمة ما نملك لا تتطلب دائمًا تغييرًا كبيرًا. أحيانًا تبدأ من الانتباه إلى الأشياء التي اعتدنا وجودها حتى توقفنا عن ملاحظتها: كتاب نعود إليه، أو مكان يمنحنا الراحة، أو غرض يؤدي وظيفته بكفاءة، أو شيء احتفظنا به لأنه يرتبط بذكرى عزيزة. حين نمنح هذه الأشياء قدرًا من الانتباه، نكتشف أن قيمتها لا تتحدد دائمًا بسعرها أو حداثتها. فبعض الأشياء تكتسب معناها من الزمن الذي رافقتنا فيه، وبعضها من التجارب التي ارتبطت بها، وبعضها من قدرتها على تلبية حاجتنا دون ضجيج أو استعراض.
وقد نحتاج أيضًا إلى إعادة النظر في معنى الغنى نفسه، فليس الغنى أن نمتلك كل ما نرغب فيه، إذ إن الرغبات يمكن أن تتسع بلا نهاية، بل أن نعرف ما الذي يكفينا، وما الذي يستحق أن نبذل جهدنا من أجله، وما الذي يمكننا الاستغناء عنه دون أن نخسر شيئًا مهمًا في حياتنا. وليس الاكتفاء أن نتوقف عن الطموح أو أن نرضى بظروف يمكن تحسينها، بل أن نسعى إلى الأفضل دون أن نؤجل شعورنا بالحياة إلى أن نحصل على كل ما نريد. فالإنسان الذي لا يعرف حدًّا لكفايته قد يظل يشعر بالفقر حتى حين تتعدد ممتلكاته، بينما يستطيع آخر أن يجد قدرًا من الراحة في حياة أقل ازدحامًا بالأشياء وأكثر وضوحًا في الأولويات.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في الأشياء نفسها، بل في المعنى الذي نحمّلها إياه. نطلب منها أحيانًا أكثر مما تستطيع أن تمنحنا، ونتوقع أن تعالج بالامتلاك ما لا يعالَج إلا بالفهم أو التغيير أو إعادة ترتيب الحياة. نشتري شيئًا لنشعر بالرضا، بينما قد يكون ما نحتاج إليه هو أن نراجع توقعاتنا؛ ونبحث عن الجديد هربًا من الملل، بينما قد تكون حاجتنا الحقيقية إلى أن نعيد اكتشاف قيمة ما اعتدنا عليه. وبين الحاجة والرغبة، وبين المتعة والاكتفاء، تتحدد علاقتنا بما نملك.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى المزيد، بل إلى أن نفهم على نحو أفضل ما الذي نريده حقًا، ولماذا نريده، ومتى يكون ما لدينا كافيًا. فالأشياء قد تجعل الحياة أيسر وأجمل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحها معناها. ولعل السؤال الأهم ليس كم نملك، بل لماذا لا نشعر أحيانًا بأن ما نملكه يكفينا؛ فحين لا نعرف معنى الكفاية، قد يصبح كل ما نحصل عليه بدايةً لرغبة جديدة، لا نهايةً لشعور بالنقص.