أحمد آدم
في مشهد سياسي غير مسبوق، حملت نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ26 تحولات جوهرية أعادت رسم خريطة القوى؛ ففي ظل رفض شعبي عارم لسياسات بنيامين نتنياهو، تدفقت الجماهير نحو صناديق الاقتراع لتسجل أعلى نسبة مشاركة انتخابية منذ عام 1999 بلغت 77.7% هذا الحراك الاستثنائي، مدفوعاً بوعي الشارع العربي الذي حقق صعوداً تاريخياً بـ19 مقعداً برلمانياً، أحدث زلزالاً انتزع صفة «الرقم الصعب» وجرد اليمين من أغلبيته المطلوبة. وتتفكك هذه القراءة السياسية لتسليط الضوء على سيناريو «تحالف الضرورة» الناشئ بين قادة الجيش السابقين في المعارضة والكتلة العربية لإقصاء نتنياهو، مستندين إلى تراجع حجة «الخطر الوشيك» مع هدوء جبهة القصف الإيراني المباشر منذ مارس الماضي، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام مرحلة جديدة تعيد صياغة مستقبلياً لجبهات الصراع المشتعلة في غزة ولبنان.
أولا : الأمر تم حسمه بالفعل
لم ينتهِ فحص وفرز الأصوات بالكامل بشكل رسمي، ولكن تحديثات لجنة الانتخابات المركزية تؤكد تخطي نسبة الفرز حاجز الـ 91.6% من إجمالي الأصوات بحلول صباح اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026.
انتهت اللجنة تماماً من فحص كل صناديق الاقتراع العادية بالبلاد، وانتقلت لعملية فحص «المظاريف المزدوجة» ( أصوات الجنود، الدبلوماسيين، السجناء، والمرضى) والتي يتراوح عددها بين 430 ألفاً إلى 650 ألف صوت. من المتوقع اكتمال الفحص بالكامل والوصول إلى النتيجة شبه النهائية مساء اليوم الخميس.
آخر المؤشرات لتوزيع المقاعد (120 مقعداً في الكنيست) عقب فحص الـ91.6% تُظهر ثبات الجمود السياسي:
* معسكر بنيامين نتنياهو (اليمين): يسيطر على 53 مقعداً يقوده حزب «الليكود» بـ26 مقعداً.
* معسكر غادي آيزنكوت (المعارضة): يمتلك 48 مقعداً يقوده حزب «ياشار!» بـ21 مقعداً.
* الأحزاب ذات الأغلبية العربية: متمسكة بذروتها التاريخية برصيد 19 مقعداً ( 12 مقعداً للقائمة المشتركة، و7 مقاعد لقائمة «رعَم»).
1 - ما الذي يُنتظر من فحص «المظاريف المزدوجة»؟
تخضع هذه المظاريف لتدقيق أمني وإداري مضاعف عبر مطابقة الهويات لمنع تكرار التصويت. ويرى الخبراء وفقاً لصحيفة هآرتس وتايمز أوف إسرائيل أن أصوات الجنود والشباب قد تميل لصالح أحزاب اليمين أو كتل معينة، مما قد يؤدي لتعديل طفيف يتراوح بين مقعد أو اثنين بين الأحزاب، لكنها فرصة ضئيلة للغاية لتغيير التوازن العام أو كسر مأزق كتلة الـ61 مقعداً المطلوبة لتشكيل الحكومة. وبالتالي فالانتخابات قد حسمت بالفعل ولن يجد جديد بعد فرز المظاريف المزدوجة.
2 - دور رئيس الدولة: رمانة الميزان في مأزق التكليف
وسط هذا الجمود البرلماني وغياب أغلبية الـ61 مقعداً عن معسكرَي نتنياهو وآيزنكوت، يتسلط الضوء على رئيس الدولة (إسحاق هرتسوغ) الذي تنتظره مشاورات شاقة وملزمة دستورياً فور صدور النتائج النهائية في 4 نوفمبر. لن يقتصر دور هرتسوغ على مجرد منح كتاب التكليف بالشكل البروتوكولي المعتاد، بل سيمتد ليكون «صانع تسويات» أو ضاغطاً باتجاه خيارات صعبة قد تشمل فرض حكومة وحدة وطنية أو الالتفاف على الشلل البرلماني، ما يجعله اللاعب الأبرز في تحديد ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو ائتلاف هش أو نحو حتمية الانتخابات المبكرة.
3 - انقلب السحر على الساحر
تُجمع التحليلات السياسية الحالية في الصحف العبرية والعالمية على أن الأحزاب العربية شكلت المفاجأة الأكبر في هذه الانتخابات، وتحولت إلى «رقم صعب» يملك القدرة على تغيير الخريطة السياسية الإسرائيلية بالكامل. من أبرز ملامح هذا المشهد وفقاً للمعطيات الأخيرة:
أ- القوة الترجيحية: حصد القوائم العربية لـ19 مقعداً (وهو تمثيل تاريخي غير مسبوق) جرّد معسكر بنيامين نتنياهو من فرصة الحصول على الأغلبية (61 مقعداً)، حيث توقف معسكره عند 53 مقعداً فقط حتى الآن.
ب- انقلاب السحر على الساحر: طالما اعتمدت الاستراتيجيات الانتخابية السابقة لليمين على التحذير من تصويت المواطنين العرب لحشد أصوات اليمين، إلا أن الرد جاء هذه المرة عبر نسبة مشاركة عربية قياسية بلغت 77.7% مما أدى لإعادة صياغة موازين القوى.
ج- معضلة المعارضة أيضاً: هذا الصعود التاريخي لا يضع نتنياهو في مأزق فحسب، بل يضع المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت أمام اختبار حقيقي؛ حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية جمهور المعارضة يؤيد التحالف مع العرب لإسقاط نتنياهو، في حين ما يزال القادة السياسيون يترددون في وضع شروط الشراكة.
4 -هل تنجح شراكة الاحزاب المعارضة والعربية
الكثير من المحللين السياسيين والشارع الإسرائيلي المعارض، الذين يرون في بقاء بنيامين نتنياهو خطراً ممتداً على المستويين الداخلي والخارجي؛ يرغبوا في نجاح شراكة المعارضة مع الاحزاب العربية لإقصاء نتنياهو ومع ذلك، يرى خبراء آخرون أن تفكيك هذا المأزق السياسي يواجه تعقيدات بالغة. وتتوزع الآراء والتحليلات حول فرص نجاح هذا التفاوض والسيناريوهات المتوقعة على النحو التالي:
أ- أسباب تدعم نجاح المفاوضات وإسقاط نتنياهو
* الرغبة الشعبية الجارفة في التغيير: أظهرت استطلاعات الرأي (مثل استطلاع مركز أكورد) أن 61% من ناخبي المعارضة يؤيدون بوضوح التحالف مع الأحزاب العربية لإنهاء حكم اليمين المتطرف، مما يشكل ضغطاً شعبياً كبيراً على القادة السياسيين لتجاوز الخلافات الأيديولوجية.
* البراغماتية السياسية: يدرك قادة المعارضة (مثل غادي آيزنكوت) وقادة الأحزاب العربية (مثل منصور عباس وأحمد الطيبي) أن هذه الفرصة التاريخية قد لا تتكرر، وأن الفشل في التوصل إلى اتفاق سيعني منح نتنياهو قبلة حياة سياسية للاستمرار في السلطة كرئيس حكومة تصريف أعمال.
* الخطر المشترك: يتفق الطرفان على أن استمرار السياسات الحالية يهدد النسيج الاجتماعي الداخلي (بسبب تصاعد الجريمة وإهمال المجتمع العربي) ويقوض العلاقات الدولية لإسرائيل.
ب- العقبات التي قد تفشل المفاوضات وتقود لانتخابات جديدة
* معضلة الهوية والخطوط الحمراء: الشروط الاستباقية التي وضعها آيزنكوت (مثل إجبار الأحزاب العربية على الاعتراف بالهوية اليهودية للدولة) تشكل حرجاً سياسياً كبيراً للقائمة المشتركة أمام ناخبيها، مما قد يجعل التوافق على صيغة مشتركة أمراً معقداً للغاية.
* المزايدات الحزبية: يخشى قادة المعارضة من الوسط واليمين الليبرالي أن يُتهموا من قِبل ماكينة نتنياهو الإعلامية بـ «التحالف مع أطراف لا تدعم الدولة»، وهو ما قد يهدد مستقبلهم السياسي في أي انتخابات قادمة.
* خيار الانتخابات المبكرة المتكررة: إذا تعنت كل طرف في شروطه، فقد يفضل آيزنكوت الذهاب إلى جولة انتخابات جديدة (كنيست 27) على تقديم تنازلات جوهرية للأحزاب العربية، وهو سيناريو مألوف في السياسة الإسرائيلية لإرهاق الخصوم.
يظل المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، وستكون الأسابيع القليلة القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت «المصلحة المشتركة في إقصاء نتنياهو» ستتفوق على الخلافات التاريخية العميقة بين المعارضة والكتلة العربية
ثانيا: نتنياهو واختراق صفوف المعارضة وشراء الوقت الايراني
يُعرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأوساط السياسية بلقب «الساحر» لقدرته العالية على المناورة السياسية والبقاء في السلطة، ووفقاً لتحليلات خبراء وصحف دولية مثل بي بي سي وديلي تليغراف، فإن نتنياهو ومستشاريه سيعتمدون على استراتيجيات متعددة المحاور لاختراق صفوف المعارضة وتفكيك مأزق الـ53 مقعداً:
1 - استهداف «الحلقات الأضعف» والصقور في معسكر المعارضة
بدلاً من محاولة التفاوض مع كتل كاملة، يركز مستشارو نتنياهو على استمالة شخصيات أو أحزاب يمينية قومية داخل معسكر غادي آيزنكوت تشاركه نفس الرؤى العقائدية:
أ- محاولة جذب بينيت وليبرمان: تشير التحليلات إلى أن قادة مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان (الذين عملوا كمستشارين أو حلفاء لنتنياهو في الماضي) يشاركونه مواقف متشددة بشأن الاستيطان والأمن. سيعرض عليهم نتنياهو حقائب سيادية مغرية (مثل الدفاع أو الخارجية) للانشقاق عن آيزنكوت والانضمام لكتلته، مبرراً ذلك بـ «إنقاذ البلاد من شلل سياسي».
ب- البحث عن «المنشقين الأفراد» (الهاربين): سيبحث الليكود عن أعضاء كنيست أفراد من أحزاب الوسط واليمين الليبرالي قد يغريهم الحصول على مناصب وزارية أو لجان برلمانية مقابل الانشقاق عن معسكرهم، لتأمين المقاعد الـ8 الناقصة للوصول إلى الرقم 61.
2 - العزف على وتر «التهديد الوجودي» والملف الإيراني
ألمح نتنياهو في خطاباته الأخيرة إلى وجود فرصة تاريخية للعمل مع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب للقضاء على التهديد الإيراني وقد يستغل نتنياهو تصعيد التوترات الإقليمية لممارسة ضغوط قصوى على رئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت، بدعوى أن «مصلحة إسرائيل العليا في زمن الحرب تقتضي تشكيل حكومة طوارئ أو وحدة وطنية»، مما يضع المعارضة في موقف حرج أمام الرأي العام إذا رفضت.
3 - شيطنة التحالف مع الأحزاب العربية وحملات البروباغندا
يقوم نتنياهو ببناء سردية إعلامية هجومية ضد المعارضة . وسيعمل مستشاروه على الترويج لفكرة أن أي حكومة يشكلها آيزنكوت ستكون «حكومة معتمدة على دعم قوى فلسطينية أو عربية لا تعترف بهوية الدولة اليهودية»، وهو ما يمثل خطراً أمنياً. هذا الخطاب يهدف إلى تخويف الشارع والضغط على الصقور داخل المعارضة لمنعهم من تقديم أي تنازلات لعرب الكنيست.
4 - استراتيجية «جر البلاد لانتخابات جديدة» (البقاء كخيار حتمي)
إذا فشلت كل محاولات الاختراق، فإن الخطة البديلة لنتنياهو وفقاً لـ مركز المقاربات العربي بواشنطن هي شلّ قدرة المعارضة على تشكيل حكومة بالكامل.
وفي حال فشل آيزنكوت في جمع 61 مقعداً، ستتجه البلاد تلقائياً إلى جولة انتخابات جديدة (الكنيست الـ27). هذا السيناريو يخدم نتنياهو مباشرة؛ لأنه يضمن بقاءه في منصب رئيس حكومة تصريف الأعمال المؤقتة لفترة أطول، مستفيداً من عامل الوقت لمحاكمة الفساد الجارية بحقه ومحاولة تحسين أرقامه في الجولة المقبلة.
5 - استراتيجية ايران نجحت في فضح ادعاءات نتنياهو
إيران تدير الصراع بعقلية «الصبر الاستراتيجي» وشراء الوقت، وليس من دافع الضعف العسكري أو التفكك الداخلي.
أ- لعبة شراء الوقت وتراكم القدرات العسكرية:
تؤكد التقارير الاستخباراتية أن إيران تمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية المتطورة والمسيرات الانقضاضية التي لم تُستخدم بكامل طاقتها بعد. عدم القصف من الأراضي الإيرانية مباشرة منذ مارس 2026 ليس عجزاً، بل هو قرار مدروس لعدم استدراج البلاد إلى حرب إقليمية شاملة ومدمرة قد تقوض منشآتها الاستراتيجية (مثل المنشآت النووية)، مفضلةً تركيز الضغط عبر حلفائها الإقليميين في جبهات أخرى.
ب- تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية (المرونة والالتفاف)
* التنفيس الداخلي: إن خطوات النظام الإيراني الأخيرة مثل تخفيف القيود الاجتماعية (كالتغاضي عن غطاء الرأس للنساء في الشوارع) أثبتت نجاحها كأسلوب امتصاص للاحتقان الشعبي.
* تأثير «الالتفاف حول العلم»: كما ذكرت، فإن الضربات الخارجية والضغوط المستمرة من ترامب ونتنياهو غالباً ما تأتي بنتائج عكسية؛ حيث تُشعر المواطن الإيراني بوجود تهديد خارجي يمس سيادة بلاده، مما يدفع الشعب لتأجيل الخلافات الداخلية والالتفاف حول القيادة، وهو ما يُسقط رهان الغرب على «تغيير النظام من الداخل» عبر الضغط العسكري.
ج- كيف يُسقط الشارع الإسرائيلي حجة نتنياهو؟
عندما يخرج نتنياهو ملوحاً بـ «الخطر الإيراني الوشيك» لحشد الأحزاب حوله، يصطدم بوعي متزايد من الشارع والمعارضة الإسرائيلية التي ترد بالآتي:
* أين التهديد الفعلي؟ الصواريخ الإيرانية المباشرة متوقفة منذ أكثر من 7 أشهر، والتصعيد الإقليمي مضبوط ضمن قواعد اشتباك معينة.
* استغلال الملف للأغراض السياسية: يرى خصوم نتنياهو (مثل غادي آيزنكوت) أن تضخيم الملف الإيراني في هذا التوقيت بالذات هو محاولة مفضوحة للهروب من الفشل في حسم أغلبية الـ 61 مقعداً في الكنيست، والتغطية على قضايا الفساد، وإشغال الرأي العام عن قضايا الجريمة والأزمات الاقتصادية الداخلية.
هذا الوعي يجعل من الصعب على نتنياهو استخدام نفس «الفزاعة الأمنية» السابقة لاختراق صفوف المعارضة، طالما أن الواقع الميداني لا يعكس خطراً داهماً يبرر تشكيل حكومة طوارئ برئاسته.
6 - قادة الجيش وادعاءات نتنياهو
تنظر النخبة العسكرية السابقة المتمثلة في قادة المعارضة الحالية -وعلى رأسهم رئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت- إلى مفهوم «الأمن القومي» بمنظور يختلف جذرياً عن المنظور الذي يروج له بنيامين نتنياهو؛ مما يخلق انعكاسات مباشرة على مواقفهم السياسية وآلية تعاملهم مع الملفات الحالية.
أ- كيف تنعكس هذه الرؤية الأمنية على مواقف قادة الجيش السابقين؟
* تغيير أولويات الخطر (التهديد الداخلي أولاً): يرى قادة الأمن والجيش السابقون أن استراتيجية إيران القائمة على «شراء الوقت» تعني أن الخطر الخارجي ليس داهماً أو وشيكاً بالصورة التي تستدعي شل الحياة السياسية. في المقابل، يرى هؤلاء القادة أن التهديد الحقيقي والأخطر هو الجمود السياسي، وتآكل مؤسسات الدولة، وتصاعد الجريمة والسلاح المنفلت داخل المجتمع العربي. بناءً على ذلك، يرون أن تحصين الجبهة الداخلية وتكامل مواطني الدولة (بمن فيهم العرب) هو الأساس الفعلي للأمن القومي.
* نزع سلاح «الفزاعة الأمنية»: من واقع خلفيتهم العسكرية الاستخباراتية، يدرك آيزنكوت ورفاقه زيف التضخيم الإعلامي لنتنياهو. هم يعلمون أن غياب القصف الإيراني منذ مارس 2026 يعكس معادلة ردع معينة ولعبة استراتيجية متبادلة، وبالتالي يتصدون لمحاولات الليكود لفرض «حكومة طوارئ» تحت ذرائع أمنية واهية .
ب- هل سيستخدمونها للضغط باتجاه تسوية سريعة مع الأحزاب العربية؟
نعم، ولكن بحذر شديد وضمن شروط محددة؛ فالأمر يمثل معادلة دقيقة بالنسبة لقادة المعارضة:
* استغلال الملف لإقناع الشارع الصقوري: سيستخدم قادة الجيش هذه الرؤية الأمنية كغطاء شرعي أمام ناخبي اليمين والوسط لتبرير أي تقارب مستقبلي مع الكتل العربية. السردية التي سيطرحونها هي: «إن دمج الأحزاب العربية وتلبية مطالبهم الخدمية والأمنية (مثل مكافحة الجريمة) هو مصلحة أمنية إسرائيلية عليا لضمان الاستقرار الداخلي في مواجهة أي سيناريوهات إقليمية مستقبلياً» .
* تخفيف حدة الشروط الاستباقية: قد تدفعهم هذه القراءة إلى محاولة إيجاد «صيغ رمادية» أو حلول وسط تلتف حول الشروط الأيديولوجية المعقدة (مثل الاعتراف بالهوية اليهودية) ، واستبدالها بالتزامات عملية تضمن دعم القائمة المشتركة أو القائمة الموحدة لخطط طوارئ اقتصادية ومدنية لإنقاذ البلاد من الشلل البرلماني
* الخوف من الارتداد العكسي: رغم حاجتهم لتسوية سريعة لقطع الطريق على مناورات نتنياهو. إلا أن قادة الجيش السابقين يخشون التسرع غير المحسوب. هم يدركون أن أي تنازل يمس السياسة الخارجية أو الدفاعية لصالح الأحزاب العربية سيستغله إعلام نتنياهو لاتهامهم بـ«التفريط في أمن الدولة»، وهو ما يجعلهم يتحركون ببطء لضمان صياغة اتفاق «دعم من الخارج» متماسك لا يضر برصيدهم السياسي.
ثالثا: ردود الأفعال العالمية
بدأت ردود الأفعال الإقليمية والعالمية تظهر وتتشكل بشكل ملحوظ بالتزامن مع إعلان نتائج الفرز شبه النهائية للانتخابات الإسرائيلية. ونظراً لحالة «الجمود السياسي» السائدة، يغلب على المواقف الدولية الحذر والترقب، إلى جانب التركيز على انعكاس هذه النتائج على الجيوسياسية الإقليمية.
1 - الداخل الأمريكي وموقف دونالد ترامب
أ- دونالد ترامب: سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» إلى نسب الفضل لنفسه في صمود بنيامين نتنياهو الانتخابي، معتبراً أن تأييده العلني المباشر لنتنياهو قبل التصويت هو ما منعه من التعرض لهزيمة ساحقة وأبقاه داخل اللعبة البرلمانية.
ب- الإدارة الأمريكية (البيت الأبيض): تتبنى موقفاً محايداً ومراقباً؛ حيث صرّح مسؤول أمريكي رسمي بأن واشنطن لم تقرر التدخل أو دعم أي معسكر في مفاوضات الائتلاف الحالية، معتبراً التقارير التي تزعم تفضيل الإدارة لكتلة بعينها «سابقة لأوانها وعارية عن الصحة».
ج- النقاش الداخلي: يتركز الاهتمام في الأوساط الأمريكية حول مدى قدرة أي حكومة قادمة على التعاطي مع خطط مواجهة إيران أو الاستجابة لضغوط ترامب المتعلقة بإعادة تموضع القوات الإسرائيلية في مناطق كإقليم سوريا.
2 - ردود الأفعال الإقليمية والعربية
أ- دول الخليج والعالم العربي: حظيت الانتخابات بتغطية إعلامية مكثفة وصفت المشهد بأنه «محاكمة شعبية لعهد نتنياهو» (وفقاً لمنصات مثل صحيفة الشرق الأوسط). ويسود إجماع تحليلي عربي على أن النتائج تعكس تراجعاً في نفوذ نتنياهو البرلماني، لكن مع بقاء قناعة سياسية راسخة بأن السياسات الدفاعية الإسرائيلية تجاه الإقليم والقضية الفلسطينية لن تتغير جوهرياً سواء استمر نتنياهو أو خلفه غادي آيزنكوت.
ب- تركيا وباكستان: تظهر البيانات الشعبية ومراكز استطلاعات الرأي الدولية استمرار الرفض الجذري الواسع (بنسب تتخطى 95%) لسياسات نتنياهو وحكومته في الشارعين التركي والباكستاني نتيجة تراكمات الصراع الطويل. وعلى المستوى الرسمي، تترقب أنقرة وإسلام آباد مآل المفاوضات مدفوعتين بالرغبة في رؤية حكومة تُغير المسار العسكري الحالي في المنطقة.
3 - روسيا والصين وأوروبا
أ- الأطراف الأوروبية: تسود حالة من الارتياح الضمني الحذر في العواصم الأوروبية حيال تراجع كتلة اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو.
ب- روسيا والصين: تتابع موسكو وبكين المشهد من منظور «توازن القوى»؛ حيث يهم بكين استقرار الممرات البحرية والتجارية الحيوية في المنطقة (مثل مضيق هرمز)، بينما ترقب روسيا بحذر مدى انعكاس هوية رئيس الوزراء القادم على التنسيق العسكري والأمني المباشر في الساحة السورية والمواجهة الإقليمية مع إيران.
بشكل عام، لن تتضح المواقف الرسمية النهائية وبطاقات التهنئة الدولية الصريحة إلا بعد صدور النتائج الرسمية النهائية المعتمدة من لجنة الانتخابات في 4 نوفمبر وبدء اتضاح ملامح الشخصية الأقرب لتشكيل الائتلاف.
رابعا: تأثير غياب أو بقاء نتنياهو على مستقبل جبهات الصراع المشتعلة وحرب غزة ولبنان
يمثل مستقبل جبهات الصراع في غزة ولبنان المحور الأكثر حساسية للقارئ العربي عند النظر إلى معركة البقاء السياسي لبنيامين نتنياهو وصعود قادة الجيش السابقين مثل غادي آيزنكوت، حيث تنقسم السيناريوهات المتوقعة إلى مسارين رئيسيين:
1 - سيناريو غياب نتنياهو وصعود معسكر قادة الجيش (آيزنكوت والمعارضة)
خلافاً للتصور الشائع بأن قادة الجيش السابقين يتبنون مواقف حمائمية، فإن العقيدة العسكرية الإسرائيلية ثابتة، لكن الأسلوب والاستراتيجية سيتغيران بشكل ملموس.
أ- حرب غزة وملف الأسرى: يُعد غادي آيزنكوت من أشد المنتقدين لإدارة نتنياهو لملف الأسرى، ويرى أن استعادتهم تمثل «أولوية أخلاقية عليا» تأتي قبل أي اعتبار سياسي. غياب نتنياهو قد يفتح الباب سريعاً لإبرام صفقة تبادل شاملة وممتدة ووقف لإطلاق النار، حيث لا يواجه آيزنكوت نفس الضغوط اليمينية المتطرفة (مثل بن غفير وسموتريتش) التي كانت تهدد بإسقاط الحكومة مع كل مقترح صفقة.
ب- جبهة لبنان: تبنى آيزنكوت تاريخياً عقيدة «الضاحية» (استخدام القوة المفرطة للردع)، لذا لن تتراجع حدة الردع العسكري في لبنان. ومع ذلك، يفضل قادة الجيش التسويات الدبلوماسية المستندة إلى ترتيبات أمنية صارمة (مثل تطبيق معدل للقرار 1701) بدلاً من الانجرار إلى حروب استنزاف برية مفتوحة لا أهداف سياسية واضحة لها.
ج- اليوم التالي للحرب: يميل معسكر المعارضة إلى التنسيق الوثيق مع الإدارة الأمريكية ودول الإقليم لإيجاد سلطة بديلة لإدارة قطاع غزة، وهو ما كان يرفضه نتنياهو بالكامل للحفاظ على تحالفه اليميني.
2 - سيناريو بقاء نتنياهو (سواء عبر ائتلاف ضيق أو كحكومة تصريف أعمال)
إذا نجح نتنياهو في البقاء في السلطة مستغلاً حالة الجمود، فإن استراتيجيته القائمة ستستمر وتتعمق:
أ- استمرار حرب الاستنزاف الرمزية: يرتبط البقاء السياسي لنتنياهو والمحاكمة القضائية التي تواجهه باستمرار حالة الطوارئ والأمن. لذلك، سيفضل الإبقاء على الجبهات مشتعلة بشكل منخفض أو متقطع دون حسم نهائي، لضمان استمرار شرعية وجوده كرئيس حكومة حرب.
ب- إفشال صفقات التبادل: سيستمر نتنياهو في وضع شروط تعجيزية أمام أي صفقة لتجنب إغضاب حلفائه من اليمين المتطرف، مما يعرض حياة الأسرى المتبقين للخطر ويطيل أمد المعاناة الإنسانية في قطاع غزة.
ج- التصعيد الإقليمي بغطاء أمريكي: سيعول نتنياهو بشكل كامل على دونالد ترامب لتوسيع نطاق العمليات العسكرية ضد شبكة حلفاء إيران في المنطقة، مدفوعاً بـ «فرصة تاريخية» لتغيير الشرق الأوسط جغرافياً وسياسياً بناءً على سرديته الأمنية.
في النهاية، تثبت هذه الانتخابات أن هندسة المشهد السياسي الإسرائيلي لم تعد حكراً على أروقة اليمين الحاكم؛ فبين صعود برلماني عربي غيّر قواعد اللعبة، ونخبة عسكرية سابقة تسعى لتفكيك «الفزاعة الأمنية» وبعد شهور من هدوء الجبهة الإيرانية المباشرة، يقف بنيامين نتنياهو أمام أصعب معارك بقائه السياسي. إن الأيام القادمة لن تحدد فقط هوية رئيس الوزراء القادم، بل ستصيغ المسار المستقبلي لجبهات الصراع المشتعلة في غزة ولبنان، وتضع المنطقة بأسرها أمام مخاض مرحلة جديدة لا مكان فيها للمناورات التقليدية.