علي عبدالله الخليفة
لم تكن شبه الجزيرة العربية يومًا فضاءً صحراويًا معزولًا، بل كانت ملتقى لطرق التجارة وحلقة وصل بين الشرق والغرب، ولا تزال تحتل موقعًا استراتيجيًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي واستقراره، فالجغرافيا التي عبرتها القوافل قديمًا، تعبرها اليوم السفن وناقلات النفط، فيما تتعزز أهمية المنطقة مع مشروعات الربط اللوجستي وشبكات الطاقة وسلاسل الإمداد وحتى خطوط الإنترنت فقد تغيرت السلع ووسائل النقل، لكن الموقع ظل عاملًا حاسمًا في حركة التجارة العالمية.
وفي العصور القديمة، اشتهرت ظفار وحضرموت بإنتاج اللبان والمرّ، اللذين انتقلا عبر «طريق البخور» إلى مصر وبلاد الشام وحوض البحر المتوسط وحتى اليونان، وأسهما في ازدهار ممالك سبأ ومعين والأنباط، ونمو مراكز تجارية لتلك الحضارات في العلا وتيماء ونجران.
ومع تطور التجارة البرية والبحرية، تعاظم دور الموانئ والمدن العربية في استقبال السلع القادمة من الهند والصين وإعادة توزيعها. ثم اكتسبت هذه الحركة بُعدًا جديدًا مع ظهور الإسلام؛ فلم تقتصر دروب الحج، مثل درب زبيدة، على خدمة الحجاج، بل أسهمت أيضًا في تنشيط الأسواق وتبادل السلع والخبرات. وهكذا تحولت الجغرافيا إلى شبكة من المصالح والعلاقات الاقتصادية.
ولم تقم هذه التجارة على الطرق وحدها، بل احتاجت إلى الثقة والأمانة والوفاء بالعهود، كما تجلت هذه الاخلاقيات في تاريخ رجال العقيلات والحدرات وتجار نجد وتجار اللؤلؤ والقوافل التي ربطت الجزيرة بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى بقيه دول أسيا وأفريقيا. وكانت هذه القيم رأس مال معنويًا يحد من المخاطر ويعزز الثقة بين التجار، وهذه حقيقة اقتصادية لا تزال قائمة؛ فكما احتاجت القوافل قديمًا إلى طرق آمنة وتجار موثوقين، يحتاج الاقتصاد العالمي اليوم إلى ممرات أمنه مستقرة وإمدادات موثوقة وفق الالتزامات وقاده سياسين من ذوي الحكمه وبعد النظر.
ومع تطور احتياجات البشرية، أصبحت موارد النفط والغاز من أهم عناصر مكانة المنطقة الدولية. فقد تغيرت السلع من اللبان والتوابل إلى الطاقة التي تحرك المصانع ووسائل النقل وتنتج الكهرباء، لكن الموقع الجغرافي ظل مؤثرًا في حركة التجارة، ولم تعد أهمية المنطقة تقاس بمواردها فحسب، بل بقدرتها على الإسهام في استقرار أسواق الطاقة واستمرار تدفق الإمدادات.
وتتجلى هذه الأهمية في الممرات البحرية المحيطة بشبه الجزيرة العربية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب، إلى جانب البحر الأحمر، أحد المسارات الحيوية للتجارة الدولية. فاضطراب الملاحة يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في أسعار السلع وأمن الغذاء والطاقة. والطريق المهدد يتحول من عنصر للتنمية إلى مصدر للمخاطر والتكاليف.
ومن هذا المنظور، تتجاوز أهمية الجزيرة العربية حدود الثروة الطبيعية إلى مسؤولية الاستقرار الإقليمي والدولي. وما حبا الله به هذه الأرض من موقع وموارد يضع أمام أبنائها وقياداتها مسؤولية الحفاظ على هذه النعم وتسخيرها لما ينفع الإنسان، مع الموازنة بين حماية المصالح الوطنية والإسهام في استقرار الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تكتسب المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها وثقلها الاقتصادي والسياسي، وقيادتها الحكيمه مسؤولية متصلة بأمن المنطقة واستقرارها. فأمن الممرات البحرية جزء من البيئة اللازمة للتجارة والاستثمارات ومشروعات الطاقة والربط اللوجستي، ما يجعل التعاون الدولي وتعزيز التنسيق بين الدول المعنية ضرورة لمنع تحول هذه الممرات إلى ساحات للصراع أو أدوات للابتزاز.
كما أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر أو باب المندب من قبل الميليشيات والجماعات الخارجة عن القانون لا يهدد أمن المنطقة فحسب، بل يعرض التجارة الدولية لمخاطر متزايدة، ويرفع تكاليف النقل، ويهدد تدفق السلع والطاقة. لذلك تكتسب الجهود الرامية إلى حماية الملاحة والحد من التهديدات البحرية أهمية تتجاوز الحدود الجغرافية، فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في امتلاك الموارد أو الموقع الإستراتيجي فحسب، بل في تحويلهما إلى قيمة مستدامة تعود بالنفع على المنطقة والعالم. فالجغرافيا تمنح الفرصة، والموارد تتيح الإمكانات، لكن الاستقرار والثقة وحسن إدارة المصالح هي التي تحولها إلى ازدهار طويل الأمد.
وهكذا، من قوافل البخور إلى ناقلات الطاقة، ومن دروب التجارة القديمة إلى الممرات البحرية الحديثة، تواصل المملكه حضورها في قلب الاقتصاد العالمي نحو مستقبل أكثر تنوعًا وازدهارًا يتعاظم فية دورها في الربط اللوجستي وتنمية التجارة وتعزيز استقرار المنطقة، فالمكانة الاستراتيجية لا تُقاس بما تعبره الأرض والبحار من بضائع فحسب، بل بما تستطيع الدول توفيره للعالم من أمن وثقة وفرص للنمو. وتلك هي المعادلة التي تصل تاريخ الجزيرة العربية بمستقبلها فهنا موقع يصنع الفرص، وقيادة تحمي المصالح، وتنمية تجعل الاستقرار أساسًا لازدهار الشعوب.