د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم الجامعي، وتغير احتياجات سوق العمل والجهات الحكومية والقطاع غير الربحي، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في بعض البرامج الأكاديمية التي توقف القبول فيها، ودراسة مدى ملاءمة إعادة فتحها في ضوء الاحتياجات الراهنة والتخصصات التي تتطلبها المرحلة المقبلة.
فقد أدت بعض البرامج الأكاديمية أدوارًا مهمة في مراحل سابقة، ثم توقف القبول فيها لأسباب وظروف قد تكون تغيرت مع مرور الوقت، بينما ظهرت اليوم احتياجات جديدة تستدعي إعادة تقييم جدوى استمرار توقفها. ومن هنا فإن إعادة فتح بعض برامج البكالوريوس، بعد دراسة أكاديمية وتنظيمية دقيقة، يمكن أن تسهم في تنويع خيارات القبول، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين التخصصات، ومواءمة مخرجات التعليم الجامعي مع احتياجات الوطن.
ويبرز برنامج بكالوريوس الدعوة والرقابة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مثالًا يمكن دراسته في هذا السياق، بالنظر إلى طبيعة تخصصه وارتباط مجالاته بعدد من الاحتياجات التعليمية والمجتمعية والوطنية، وما يمكن أن يتيحه إعادة فتحه من خيارات أمام الطلاب، ومن رفد للجهات ذات العلاقة بكفاءات مؤهلة.
تنويع خيارات القبول لخريجي الثانوية
إعادة فتح بعض برامج البكالوريوس المتوقفة يمكن أن يضيف مسارات أكاديمية جديدة أمام خريجي الثانوية، ويمنحهم خيارات أوسع تتناسب مع ميولهم وقدراتهم واحتياجات سوق العمل، بدل تركّز أعداد كبيرة من الطلاب في مسارات محددة. ويبرز برنامج الدعوة والرقابة مثالًا على تخصص ذي طبيعة دعوية واجتماعية ورقابية، يمكن أن يوفر مسارًا أكاديميًا مختلفًا، ويربط بين التأهيل العلمي واحتياجات المجتمع في مجالات الوعي والتوجيه والرقابة.
كما أن تنويع البرامج لا يعني بالضرورة زيادة أعداد المقبولين، وإنما يتيح للجامعات إعادة توزيع طاقاتها التعليمية بصورة أكثر توازنًا، وفق أعداد القبول والطاقة الاستيعابية وحاجة سوق العمل، بما يعزز جودة المخرجات ويمنح الطالب فرصة اختيار التخصص الذي يتوافق مع قدراته واهتماماته.
تخفيف الضغط على الأقسام الشرعية الكبرى
تواجه بعض الأقسام الشرعية في الجامعات أعدادًا كبيرة من الطلاب، وما يترتب على ذلك من زيادة الأعباء التدريسية والإشرافية، وهو ما يستدعي التفكير في إعادة توزيع المسارات الأكاديمية بصورة أكثر توازنًا. وإعادة فتح بعض برامج البكالوريوس المتوقفة يمكن أن يسهم في توزيع أعداد الطلاب على تخصصات وبرامج متنوعة، بما يخفف الضغط عن الأقسام الأكثر إقبالًا، ويتيح لها توجيه مزيد من الاهتمام إلى تخصصاتها الدقيقة وتطوير برامجها ومخرجاتها.
ولا تقتصر فائدة هذا التوجه على تخفيف الأعباء، بل يمكن أن تسهم إعادة توزيع الطلاب بين البرامج في تحسين البيئة التعليمية، ورفع كفاءة الاستفادة من أعضاء هيئة التدريس والإمكانات الجامعية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين الطاقة الاستيعابية للجامعات والطلب المتزايد على بعض التخصصات.
خدمة الوزارات والجهات الحكومية
تحتاج الجهات الحكومية، باختلاف اختصاصاتها، إلى كوادر مؤهلة في مجالات التوعية المجتمعية، والوعي الفكري، والتوجيه، والرقابة، والتواصل المؤسسي، وغيرها من المجالات ذات الصلة بطبيعة عملها. ويمكن للبرامج الأكاديمية المتخصصة أن تسهم في إعداد كوادر تجمع بين التأهيل العلمي والمهارات اللازمة لممارسة هذه الأدوار بكفاءة.
ومن هنا يمكن لإعادة فتح بعض البرامج المتوقفة، ومنها برنامج الدعوة والرقابة، أن تسهم في رفد الجهات الحكومية ذات العلاقة بكفاءات مؤهلة في مجالات تتصل بالدعوة والوعي والتوجيه والرقابة، بما يعزز قدرتها على تنفيذ برامجها ومبادراتها، ويحقق قدرًا أكبر من المواءمة بين مخرجات التعليم الجامعي والاحتياجات المتغيرة للقطاع الحكومي.
خدمة الجمعيات والقطاع غير الربحي
يشهد القطاع غير الربحي توسعًا في مجالات عمله وتنوعًا في مبادراته، ويحتاج هذا التوسع إلى كوادر مؤهلة تجمع بين التأصيل العلمي والقدرة على التعامل مع القضايا المجتمعية ومتطلبات العمل المؤسسي. ويمكن للبرامج الأكاديمية المتخصصة في الدعوة والرقابة أن تسهم في إعداد كوادر قادرة على العمل في مجالات التوعية المجتمعية، والتوجيه، وتصميم المبادرات، وتعزيز القيم والوعي، بما يتناسب مع طبيعة أعمال الجهات غير الربحية واحتياجاتها.
ومن ثم، فإن إعادة فتح بعض البرامج المتوقفة يمكن أن يسهم في دعم القطاع غير الربحي بكفاءات مؤهلة، ويعزز قدرته على أداء أدواره المجتمعية والتنموية، بما ينسجم مع تنامي أهمية القطاع غير الربحي في مسيرة التنمية الوطنية.
خدمة المدارس الحكومية والأهلية
وتُعد المدارس الحكومية والأهلية من المجالات التي يمكن أن تستفيد من مخرجات البرامج المتخصصة في الدعوة والوعي والقيم؛ فمع تطور العملية التعليمية وتزايد الاهتمام ببناء شخصية الطالب وتعزيز القيم والوعي والسلوك، تبرز الحاجة إلى كوادر مؤهلة تمتلك تأصيلًا علميًا وقدرة على التعامل مع الجوانب التربوية والمجتمعية ذات الصلة.
ومن هذا المنطلق، يمكن لإعادة فتح برنامج الدعوة والرقابة، أو غيره من البرامج المتخصصة ذات الصلة، أن يوفر مسارًا أكاديميًا يسهم في إعداد كفاءات يمكن أن تعمل في المجالات التعليمية والتربوية والمجتمعية، بما يعزز التكامل بين مخرجات التعليم الجامعي والاحتياجات المتطورة للمؤسسات التعليمية.
فتح القبول للطلاب الدوليين… تعزيز القوة الناعمة للمملكة
ويمثل فتح القبول للطلاب الدوليين في بعض البرامج الأكاديمية المتخصصة فرصة إضافية لتعزيز الحضور العلمي للمملكة، واستقطاب طلاب من دول مختلفة للدراسة في جامعاتها، بما يتيح لهم التعرف على تجربتها العلمية والثقافية وما تقوم عليه من قيم الوسطية والاعتدال. ويمكن لبرنامج الدعوة والرقابة، بحكم طبيعته وتخصصه، أن يكون أحد المسارات التي يمكن دراسة إتاحتها للطلاب الدوليين وفق الضوابط الأكاديمية والتنظيمية المعتمدة.
ولا تقتصر أهمية هذا المسار على استقطاب الطلاب، بل يمكن أن يسهم بعد تخرجهم في نقل ما اكتسبوه من معرفة وخبرة إلى مجتمعاتهم، وبناء جسور علمية وثقافية مع المملكة، وتعزيز حضور الجامعات السعودية في محيطها الإقليمي والدولي. ومن ثم، فإن الانفتاح المنظم على الطلاب الدوليين يمكن أن يمثل أحد مسارات تعزيز القوة الناعمة للمملكة، ونشر المعرفة والخبرة العلمية عبر قنوات أكاديمية رصينة.
استدامة السلسلة الأكاديمية داخل قسم الدعوة والرقابة
ومن المسوغات المهمة لإعادة النظر في البرامج المتوقفة أن بعض الأقسام الجامعية قد تستمر في تقديم برامج الدراسات العليا والبحث العلمي، بينما يتوقف القبول في مرحلة البكالوريوس؛ وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى ضعف السلسلة الأكاديمية التي تمد القسم بكوادره العلمية المستقبلية. ويبرز قسم الدعوة والرقابة مثالًا يمكن دراسته في هذا السياق، إذ إن استمرار الدراسات العليا والبحث العلمي فيه يجعل وجود مرحلة البكالوريوس عاملًا مهمًا في بناء مسار أكاديمي متكامل يبدأ من مرحلة البكالوريوس، ويمتد إلى الدراسات العليا، ثم إلى إعداد الكفاءات التي يمكن أن تسهم مستقبلًا في التدريس والبحث العلمي داخل القسم وغيره من المؤسسات الأكاديمية.
فالقسم الجامعي لا يحتاج إلى طلابه لأداء وظيفته التعليمية الحالية فحسب، وإنما يحتاج كذلك إلى بناء جيله الأكاديمي القادم؛ من معيدين ومحاضرين وباحثين وأعضاء هيئة تدريس. وعندما يتوقف القبول في مرحلة البكالوريوس، قد تتقلص قاعدة الاستقطاب التي يمكن أن يُختار منها أصحاب القدرات العلمية المتميزة لمواصلة مسيرتهم الأكاديمية، وهو ما قد يؤثر على استدامة التخصص وتراكم المعرفة داخله على المدى البعيد.
ومن هنا، فإن إعادة فتح البرنامج، متى أثبتت الدراسات الأكاديمية وحاجة سوق العمل جدواها، يمكن أن تسهم في استعادة التكامل بين مراحل التعليم الجامعي، والحفاظ على استدامة التخصص، وإتاحة الفرصة لاكتشاف الكفاءات العلمية وتأهيلها لتكون جزءًا من مستقبل القسم والمنظومة الأكاديمية.
مواءمة البرنامج مع التحولات الوطنية في الوعي والأمن الفكري
وتتجه المملكة في مسيرتها التنموية إلى تعزيز الوعي، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، ودعم الأمن الفكري، ومواجهة الأفكار المنحرفة والمتطرفة، بما يتطلب إعداد كوادر علمية مؤهلة تمتلك المعرفة الشرعية والقدرة على التعامل مع القضايا الفكرية والمجتمعية المعاصرة. وفي هذا السياق، يمكن لبرامج الدعوة والرقابة أن تسهم في إعداد كفاءات تجمع بين التأصيل العلمي وفهم التحولات الاجتماعية والفكرية، بما يعزز قدرتها على الإسهام في مجالات التوعية والتوجيه والوقاية الفكرية.
ومن ثم، فإن إعادة فتح برنامج الدعوة والرقابة، متى توافرت مبرراته الأكاديمية والتنظيمية وثبتت الحاجة إليه، يمكن أن تنسجم مع التوجهات الوطنية في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع المتغيرات الفكرية والاجتماعية، وأن تسهم في دعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في مجالات بناء الإنسان وتعزيز جودة الحياة والاعتدال والوعي المجتمعي.
مورد مالي مستدام للجامعات
ولا تقتصر جدوى إعادة فتح بعض البرامج الأكاديمية المتوقفة على الجوانب التعليمية والتنموية، بل يمكن أن تمتد إلى تعزيز كفاءة الموارد المالية للجامعات، إذا أُتيح تقديم بعض هذه البرامج بصيغ تعليمية متنوعة تتوافق مع الأنظمة واللوائح المعتمدة، مثل الانتظام، والتعليم المستمر، والبرامج الموجهة للطلاب الدوليين، وغيرها من المسارات التي يمكن أن تحقق عائدًا ماليًا إلى جانب قيمتها الأكاديمية.
ومن شأن هذا التنوع في نماذج تقديم البرامج أن يمنح الجامعات مرونة أكبر في استثمار إمكاناتها البشرية والأكاديمية، وتطوير مواردها، وربط البرامج التي تقدمها بحاجات المجتمع وسوق العمل، بما يعزز استدامة التعليم الجامعي ويحقق قيمة علمية وتنموية واقتصادية في آن واحد.
نحو مراجعة دورية للبرامج الأكاديمية المتوقفة
ومن المناسب أن تتبنى الجامعات آلية دورية لمراجعة البرامج الأكاديمية التي توقف القبول فيها، بحيث لا يكون استمرار التوقف قرارًا جامدًا، وإنما يخضع للتقويم في ضوء المتغيرات التي تطرأ على احتياجات سوق العمل، ومتطلبات الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي، وتطور التخصصات، والطاقة الأكاديمية المتاحة، وأعداد الطلاب المتوقعة، والجدوى التعليمية والاقتصادية للبرنامج. فإذا تغيرت الظروف وظهرت حاجة جديدة إلى أحد البرامج، أمكن دراسة إعادة فتحه واستئناف القبول فيه بعد استكمال المتطلبات الأكاديمية والتنظيمية.
وهذا النهج يحقق قدرًا أكبر من المرونة في التخطيط الأكاديمي؛ فالبرنامج الذي قد لا تكون الحاجة إليه واضحة في مرحلة معينة، قد يصبح ذا أهمية في مرحلة أخرى نتيجة تغير احتياجات الوطن أو سوق العمل. ومن ثم، فإن إعادة تقييم البرامج المتوقفة ينبغي أن تكون جزءًا من التخطيط المستمر للتعليم الجامعي، بما يضمن مواءمة الخريطة الأكاديمية مع المتغيرات الوطنية، وحسن استثمار الإمكانات البشرية والعلمية المتاحة.
الخاتمة: خطوة لإعادة التوازن وخدمة الوطن
إن إعادة فتح بعض برامج البكالوريوس المتوقفة ليست مجرد عودة إلى برامج أُغلقت في مرحلة سابقة، وإنما هي مراجعة أكاديمية تستجيب للتحولات التي يشهدها التعليم الجامعي واحتياجات الوطن المتغيرة. فحين تتغير احتياجات سوق العمل، وتتوسع مجالات التنمية، وتظهر حاجات جديدة لدى الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والمؤسسات التعليمية، يصبح من المهم أن تعيد الجامعات النظر في خريطتها الأكاديمية، وأن تدرس إمكان إعادة فتح البرامج التي يمكن أن تسهم مخرجاتها في تلبية تلك الاحتياجات.
ويبرز برنامج الدعوة والرقابة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مثالًا جديرًا بالدراسة في هذا السياق، لما يمكن أن يقدمه من مسار أكاديمي يخدم مجالات الدعوة والوعي والتوجيه والرقابة، ويمد الجامعات والجهات ذات العلاقة بكفاءات مؤهلة، ويسهم في استدامة السلسلة الأكاديمية للقسم، ويفتح آفاقًا أوسع لاستقطاب الطلاب الدوليين وتعزيز الحضور العلمي للمملكة.
والمطلوب ليس إعادة فتح البرامج بصورة تلقائية، وإنما إخضاعها لدراسة علمية موضوعية تقيس الحاجة إليها، وجدواها الأكاديمية، وقدرتها على تلبية احتياجات سوق العمل والجهات المستفيدة، مع مراجعة هذه البرامج بصورة دورية وفق المتغيرات الوطنية. فالتخطيط الأكاديمي الناجح لا يقوم على إبقاء البرامج مفتوحة أو مغلقة إلى الأبد، وإنما على القدرة على مراجعة القرار وتعديله متى تغيرت الظروف وظهرت حاجة جديدة.
ومن هنا، فإن إعادة فتح البرامج الأكاديمية التي تثبت الدراسات حاجتها يمكن أن تكون خطوة لإعادة التوازن إلى الخريطة الجامعية، وتنويع خيارات الطلاب، وحسن استثمار الطاقات الأكاديمية، وخدمة احتياجات الوطن، ودعم مستهدفات التنمية وبناء مجتمع المعرفة.