د. أحمد محمد القزعل
استوقفتني يوماً عبارة صغيرة كُتبت على خلفية سرفيس، لكنها كانت أكبر من مساحتها بكثير: ( الحلم طيّار، والواقع شوفير ميكرو)، وبجانبها رُسمت طائرة صغيرة تحلّق في الفضاء، توقفت أمامها طويلاً لا لأن العبارة طريفة فحسب، بل لأنني شعرت أن وراءها إنساناً كان يحمل حلماً، ثم ساقته الحياة إلى طريق آخر.
كم من إنسان يشبه صاحب ذلك السرفيس! كم من شاب جلس ذات يوم وحده وأغمض عينيه ورأى نفسه في المكان الذي يتمنى أن يكون فيه! أحدهم حلم أن يكون طبيباً والآخر معلماً وثالثاً طياراً ورابعاً كاتباً أو مهندساً أو مبدعاً، ثم جاءت الحياة بأيامها الثقيلة وضاقت الظروف وتبدلت الأحوال وأصبح الإنسان يعمل في مهنة لم تكن يوماً جزءاً من أحلام طفولته.
لكن هل يعني ذلك أن الحلم مات؟ ليس بالضرورة، فالأحلام لا تموت دائماً حين لا تتحقق بعضها يتحول إلى صبر وبعضها يتحول إلى خبرة وبعضها يتحول إلى ابتسامة ساخرة نكتبها على زجاج سيارة كي نقول للحياة: لم أحصل على كل ما تمنيت لكنني ما زلت أملك القدرة على أن أحلم.
ولعل أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يعيش بكرامته حتى حين تخالفه الظروف، فالعمل ليس عيباً مهما كان نوعه وإنما العيب أن يفقد الإنسان شرف العمل أو يحتقر مهنته أو ينظر إلى نفسه بعين الآخرين، قد يكون الرجل الذي يقود الميكرو اليوم أكثر قيمة وأثراً من رجل يجلس في مكتب فخم إذا كان الأول يؤدي عمله بأمانة ويعود آخر النهار إلى أسرته وقد أطعم أبناءه من عرق جبينه، وقد قال الله تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى }، فليست قيمة الإنسان دائماً فيما وصل إليه وإنما في صدق سعيه ونبل قصده وصبره على الطريق.
وربما كان صاحب العبارة قد أراد أن يمازح نفسه، لكنه من حيث لا يدري قدّم درساً تربوياً عميقاً: لا تجعل الواقع يسخر من حلمك ولا تجعل حلمك يحتقر واقعك، أحلامنا تمنحنا الأفق وواقعنا يمنحنا الأرض التي نقف عليها، والعاقل هو الذي يحلم عالياً لكنه لا يخجل من خطواته الصغيرة.
قد لا يصبح شوفير الميكرو طياراً في يوم من الأيام، وقد تبقى الطائرة المرسومة على سيارته مجرد صورة، لكن من يدري؟ ربما يكون حلمه الحقيقي أوسع من قيادة الطائرة وربما يحلم أن يؤمّن لأطفاله حياة أفضل أو أن يشتري بيتاً أو أن يعلّم أبناءه أو أن يفتح مشروعاً صغيراً أو أن يعيش بقلب مطمئن بعد سنوات من التعب.
وهنا تتجلى حكمة أخرى: ليس كل حلم ينبغي أن يتحقق بالصورة التي تخيلناها أول مرة، فقد يؤخر الله عنا شيئاً نريده ليعطينا شيئاً لم نكن نعرف أننا نحتاج إليه، وقد يكون تأخر الحلم حماية وقد يكون الطريق الطويل إعداداً وقد تكون العافية نفسها أعظم من الحلم.
لذلك إذا رأيت يوماً رجلاً يقود ميكرو وعلى خلفيته طائرة فلا تضحك من المفارقة، وربما تكون تلك الطائرة الصغيرة تحمل قصة رجل كبير من الداخل قاوم الحياة ولم يستسلم لها، وربما تقول لنا تلك اللوحة ببساطة شديدة: احلم... ولو كنت تقود ميكرو، اسعَ... ولو كانت خطواتك بطيئة، وارضَ بما في يدك دون أن تتخلى عما في قلبك.
فربما يأتي يوم بعد أعوام من الانتظار تنظر فيه إلى السماء وتبتسم؛ لأنك تكتشف أن بعض الأحلام لا تحتاج إلى جناحين كي تطير يكفيها قلب لم يتخلَّ عنها.