أنس تشكالا
لم يعد غريبًا أن يشعر الإنسان بأنه مطالب بأن يكون مميزًا طوال الوقت، ينبغي أن ينجح في عمله، ويتقدم بسرعة، ويحقق أهدافًا كبيرة، ويخوض تجارب استثنائية، ويبدو سعيدًا، ويملك ما يستحق الإعجاب، وحتى أوقات الراحة لم تعد بمنأى عن هذه المطالب؛ إذ أصبح من الممكن أن تتحول الإجازة إلى سباق مع الآخرين، والقراءة إلى وسيلة لإثبات الثقافة، والهوايات إلى مشروعات ينبغي تطويرها، والحياة الخاصة إلى قصة نبحث عن الطريقة المناسبة لعرضها. كأن مجرد أن يعيش الإنسان حياة هادئة ومتوازنة لم يعد كافيًا، وكأن عليه أن يقدم في كل مرحلة دليلًا جديدًا على أنه يفعل شيئًا يستحق الانتباه.
من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل:
هل أصبحنا نخجل من أن نكون عاديين؟
ليس لأن الحياة العادية فقدت قيمتها، بل لأننا ربما اعتدنا النظر إليها من خلال مقاييس تجعلها تبدو أقل مما ينبغي، لم يعد يكفي أن نكون بخير؛ ينبغي أن نكون أفضل من الأمس، وأن ننجز أكثر من الآخرين، وأن نملك حكاية لافتة نرويها حين يسألنا أحدهم عما حققناه.
وإذا مرّت فترة من حياتنا دون إنجاز كبير أو تحول واضح، فقد نشعر بأننا متأخرون، حتى لو كانت أمورنا تسير على نحو جيد، وحتى لو كنا نعيش في سلام مع أنفسنا.
ولعل ما يزيد هذه المفارقة وضوحًا أن الإنسان لم يكن يومًا محاطًا بهذا القدر من قصص النجاح المعروضة أمامه. يكفي أن يفتح هاتفه حتى يجد من أطلق مشروعًا جديدًا، ومن حصل على شهادة، ومن سافر إلى مكان بعيد، ومن حقق إنجازًا مهنيًا، ومن غيّر حياته في أشهر قليلة.
يرى بدايات الآخرين ونتائجهم، لحظاتهم المضيئة وخبراتهم اللافتة، فتبدو حياته الخاصة، بكل تفاصيلها المتكررة وأيامها الهادئة، أقل إثارة، وقد ينسى أن ما يراه ليس الحياة كاملة، بل جانبًا منها اختير بعناية ليكون جديرًا بالعرض، وأن وراء كل إنجاز ظاهر تفاصيل لا تظهر بالضرورة في الصورة: محاولات لم تنجح، وأيام من التعب، وظروف لا تتشابه من إنسان إلى آخر.
المشكلة ليست في أن نرى نجاح الآخرين أو أن نفرح لهم، بل في أن تتحول مشاهدتهم إلى معيار خفي نقيس به قيمة حياتنا.
عندئذ لا يعود السؤال:
هل أتقدم في الطريق الذي يناسبني؟
بل يصبح:
لماذا لم أصل إلى ما وصل إليه غيري؟
ولا نسأل أنفسنا إن كانت أهدافنا تعبر عنا فعلًا، بل إن كانت كافية لتجعلنا نبدو ناجحين في أعين الناس، وهكذا يمكن أن نطارد أهدافًا لم نخترها عن اقتناع، ونحمل أنفسنا أعباء لا نحتاج إليها، ونستعجل نتائج لا تناسب ظروفنا، لمجرد أننا نخشى أن تبدو حياتنا عادية إذا لم نفعل ذلك.
ومع الوقت، قد يتسلل هذا الشعور إلى علاقتنا بأنفسنا، فالإنجاز الذي كان مصدر فرح يصبح أمرًا مألوفًا لا يستحق الاحتفاء طويلًا، لأن إنجازًا آخر ينتظرنا. وما إن نبلغ هدفًا حتى نرفع سقف التوقعات، وما إن نحقق خطوة حتى نقارنها بخطوات الآخرين.
لا نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لنشعر بما أنجزناه، ولا نسمح للرضا بأن يستقر في داخلنا؛ لأننا نخشى أن يكون الرضا نوعًا من التوقف، أو أن يؤدي الاكتفاء بما حققناه إلى فقدان الطموح. كأن الإنسان لا يستطيع أن يطمح إلى الأفضل وأن يكون ممتنًا لما يملكه في الوقت نفسه.
لكن الطموح لا يحتاج إلى هذا القدر من القسوة، فمن الممكن أن يسعى الإنسان إلى تطوير نفسه دون أن يعامل حياته الحالية بوصفها حياة ناقصة، وأن يطمح إلى مستقبل أفضل دون أن يحتقر ما أنجزه في الحاضر، وليس من الضروري أن يتحول كل يوم إلى فرصة لتحقيق إنجاز جديد، ولا أن تكون لكل تجربة نتيجة ملموسة، ولا أن نستخرج من كل لحظة درسًا أو فائدة.
بعض الأيام تكفي قيمتها في أنها مرت بسلام، وبعض الأعمال تستحق التقدير لأنها أُنجزت بإخلاص، وبعض العلاقات تمنحنا معناها لأنها توفر لنا الأمان والسكينة، لا لأنها تقدم لنا قصة مبهرة يمكن روايتها للآخرين.
وثمة جانب آخر يستحق الانتباه: حين نبالغ في تقدير الاستثنائي، قد نفقد قدرتنا على رؤية القيمة في الأشياء التي تحفظ حياتنا من الانهيار، فالاستمرار في عمل يحتاج إلى الصبر إنجاز، والوفاء بالمسؤوليات اليومية إنجاز، ورعاية الأسرة، والوقوف إلى جانب صديق في وقت صعب، والعودة إلى المحاولة بعد خيبة، كلها أمور قد لا تحظى باهتمام واسع، لكنها تشكل جزءًا حقيقيًا من معنى الحياة، ليست كل قيمة قابلة للقياس، وليست كل فضيلة قابلة للعرض، وليس كل ما يستحق الاحترام قادرًا على جذب الانتباه.
لقد اعتدنا أن نربط النجاح بما يمكن إظهاره: منصبا، أو شهادة، أو دخلا، أو مشروعا، أو إنجازا واضحا.
وهذه أمور قد تكون مهمة بالفعل، لكنها لا تستوعب وحدها صورة الإنسان الناجح، فهناك نجاح لا يُرى بسهولة؛ أن يعرف المرء حدوده دون أن يستسلم لها، وأن يحافظ على مبادئه حين يكون التخلي عنها أكثر ربحًا، وأن يؤدي واجباته دون أن يفقد إنسانيته، وأن يبني حياة تتناسب مع إمكاناته وقيمه بدل أن يعيش أسيرًا لتوقعات لا تنتهي، وربما كانت هذه النجاحات أقل صخبًا، لكنها ليست أقل شأنًا.
ولا يعني ذلك أن نحتفي بالعادية لمجرد العادية، أو أن نتخذ الرضا ذريعة للتهرب من المسؤولية، أو أن نتوقف عن التعلم والتغيير، فثمة فرق بين إنسان اختار حياة بسيطة عن وعي، وإنسان تخلى عن أحلامه خوفًا من المحاولة؛ وبين من يعرف أن الإنجاز ليس المقياس الوحيد للقيمة، ومن يقنع نفسه بذلك لأنه يخشى الفشل. المطلوب ليس أن نتخلى عن طموحاتنا، بل أن نراجع مصدرها:
هل نريد هذا الهدف لأنه ينسجم مع ما نؤمن به ونرغب فيه، أم لأننا نتصور أن الآخرين لن يحترمونا ما لم نحققه؟ وهل نواصل الطريق لأننا نرى فيه معنى، أم لأننا نخشى الاعتراف بأننا لم نعد نريده؟
إن استعادة علاقتنا المتوازنة بالحياة تبدأ حين نتوقف عن النظر إلى أنفسنا بوصفنا مشروعات ينبغي أن تكون في حالة تطوير دائم، نحن نتعلم ونتغير ونسعى، لكننا لسنا مطالبين بأن نثبت جدارتنا كل يوم. ومن حق الإنسان أن يمر بمرحلة يتعلم فيها أكثر مما ينجز، أو يستريح فيها بعد سنوات من العمل، أو يعيد ترتيب أولوياته دون أن يفسر ذلك بوصفه تراجعًا، فالحياة ليست خطًا مستقيمًا من الإنجازات المتصاعدة، ولا يمكن قياس جميع مراحلها بالمعيار نفسه. ما يبدو بطئًا في مرحلة قد يكون ضرورة للنضج، وما يبدو توقفًا قد يكون فرصة لفهم الاتجاه الذي نريد أن نسلكه.
وربما نحتاج، وسط كل هذا الضجيج، إلى أن نعيد الاعتبار إلى السؤال البسيط الذي كثيرًا ما نهمله:
هل الحياة التي أعيشها مناسبة لي؟ لا هل تبدو مبهرة للآخرين، ولا هل تتقدم بالسرعة التي يتوقعونها، ولا هل تشبه حياة من أتابعهم، بل هل أجد فيها ما يمنحني المعنى، وهل تتسع لما أؤمن به، وهل أستطيع أن أعيشها دون أن أظل في خصومة دائمة مع نفسي؟ قد لا تقودنا الإجابة إلى حياة استثنائية وفق المقاييس الشائعة، لكنها قد تقودنا إلى حياة أكثر صدقًا واتزانًا.
لسنا مضطرين إلى أن نكون لافتين في كل شيء، ولا إلى أن نحول تجاربنا كلها إلى إنجازات، ولا إلى أن نعتذر عن الأيام التي لا يحدث فيها شيء يستحق الحكاية. فمن حق الحياة أن تكون هادئة أحيانًا، ومن حق الإنسان أن يفرح بما لديه دون أن يقارنه باستمرار بما لدى الآخرين، وليس في أن نكون عاديين ما يستدعي الخجل، إذا كانت هذه العادية تعني أن نعيش بصدق، ونؤدي مسؤولياتنا، ونحافظ على إنسانيتنا، ونسعى إلى ما نراه جديرًا بالسعي.
لعل السؤال الأهم ليس كيف نصبح استثنائيين في نظر العالم، بل كيف نتوقف عن الشعور بأننا أقل قيمة حين لا نكون كذلك، فليس كل ما يستحق أن يُعاش يستحق أن يُعرض، وليس كل ما يمنح الحياة معناها يثير إعجاب الآخرين، وربما كانت إحدى صور النضج أن نطمح إلى الأفضل دون أن نخجل من حياتنا كما هي، وأن نسعى إلى التميز دون أن نعامل العادية بوصفها عيبًا ينبغي التخلص منه.