محمد بن عيسى الكنعان
في حوار تلفزيوني على إحدى القنوات العربية الإخبارية، التي تناقش الأحداث الجارية بالمنطقة كان هناك أكثر من ضيف محاور ينتمون لدول مختلفة بما فيها إيران. خلال ذلك الحوار استطاع أحد المشاركين وهو الدكتور عمرو حمزاوي أن يُحرج المشارك الإيراني الدكتور حسن أحمديان ويُفحمه، ويكشف للمشاهد - وباختصار - حقيقة المشروع الإيراني في المنطقة العربية، بكونه مشروعًا توسعيًا يهدف أساسًا إلى تدمير الدولة الوطنية، مستشهدًا بما فعله (حزب الله) في لبنان الذي اختطف قرار الدولة اللبنانية وسيادتها، وانعكاس ذلك سلبيًا على حياة المواطن اللبناني بحكم علاقة هذا الحزب الإستراتيجية بإيران، وكذلك الحال بالنسبة لليمن بسيطرة ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء، وغياب الدولة، وتعطيل التنمية، وتمزيق النسيج اليمني وفق التوجهات الإيرانية، وأيضًا العراق بوجود ميليشيات وفصائل الحشد الشعبي المرتبطة عضويًا، وماليًا، وسياسيًا بإيران، ناهيك عن نظام الأسد في سوريا قبل سقوطه، وتحرر الإنسان السوري والدولة بشكل عام من الهيمنة الإيرانية.
المتمعن في بدايات تأسيس ما يسمى (حزب الله) اللبناني، أو ما يسمى جماعة (أنصار الله) الحوثية يجد أنها بدأت من أقبية الاستخبارات الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإيراني، واللافت أن تلك البدايات والمراحل كانت في ذات السنوات تقريبًا؛ ففكرة تأسيس (حزب الله) جاءت كردة فعل على العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982م، الذي استهدف الوجود الفلسطيني هناك، ونظرًا لتضرر المناطق الشيعية بالجنوب؛ فقد اتفقت شخصيات شيعية على تأسيس حركة مقاومة صارت نواة الحزب، إلا أن التأسيس الفعلي لـ(حزب الله) كان عام 1985م عقب صفقة تمت بين إيران ونظام حافظ الأسد لدخول 1500 عنصر من الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان لتدريب أعضاء تلك الحركة، التي تم تغيير اسمها إلى (حزب الله) بناءً على توجيه من آية الله الخميني قائد الثورة الإيرانية، الذي جعل من (حزب الله) ذراعه القوي في لبنان ضمن مشروع (تصدير الثورة)، خاصةً عندما تولى حسن نصر الله زعامة الحزب عام 1992م، وهو المعروف، والمقبول، والموثوق جدًا لدى الإيرانيين.
سيناريو عمالة جماعة أو حركة الحوثي لإيران عن طريق الحرس الثوري لا يختلف عن سيناريو عمالة (حزب الله) اللبناني حتى بالفترة الزمنية ذاتها، فخلال عقد الثمانينيات الميلادي من القرن الماضي شهدت مدينة صعدة اليمنية تنافسًا بين السلفية والصوفية في السيطرة والتأثير مقابل الزيدية، ما أثار حفيظة بدر الدين الحوثي باعتباره شخصية زيدية ومرجعية (جارودية) معروفة في صعدة، فقام عام 1982م بزيارة إيران، خاصةً بعد تصاعد ثورة الخميني وتأثيراتها على التيارات الدينية في المنطقة، فتأثر بخطاب الثورة وأدبياتها، وصار هو وولديه (حسين وعبدالملك) يترددون على إيران برحلات ذات طابع ثقافي وأحيانًا ديني لزيارة الحوزات، إلى جانب قيامهم برحلات إلى لبنان وسوريا لتوثيق علاقاتهم بـ(حزب الله) ونظام الأسد. وفي ظل ذلك بدأت آراء الحوثي الفكرية والسياسية تتبلور وتتغير بشكل صارت تتماهى مع خط الخميني (خط الإمام)، حتى أن مؤلفاته وأفكاره الجديدة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الزيدية.
التقط الإيرانيون هذا التحول الفكري لدى الحوثي، ونجحوا في تجنيده لصالح مشروعهم التدميري (تصدير الثورة) من خلال التواصل والدعم المالي والعسكري. في عام 1992م كان حسين وعبد الملك الحوثي من ضمن الشباب الذين التحقوا بـ(منتدى الشباب المؤمن) الذي تأسس كمركز تربوي وثقافي لأبناء الطائفة الزيدية في صعدة، ثم نجحوا بالسيطرة على المنتدى، وتحويل النقاشات الفكرية والمعتقدات الدينية التي تدور فيه إلى حركة جماهيرية ذات شعارات ومواقف سياسية، فصار المنتدى تنظيمًا سياسيًا في النصف الثاني من التسعينيات الميلادية. ثم أصبح لهذا التنظيم ذراعًا عسكريًا يتم تمويله بالأسلحة والخبرات العسكرية الإيرانية عن طريق الحرس الثوري.
وبهذا انتقلت العلاقة الحوثية الإيرانية من التأثير الفكري الثوري إلى التجنيد العسكري الاستراتيجي، حيث تلقت الحركة الحوثية السلاح، والخبراء الإيرانيين، والتمويل المالي، ما مكّن الحركة من خداع القوى السياسية اليمنية خلال أحداث عام 2011م (إبعاد علي عبدالله صالح عن السلطة)، فاستولت عسكريًا على صعدة ثم عمران، ومن ثم السيطرة العسكرية على صنعاء عام 2014م بمعاونة علي عبدالله صالح الذي عاد إلى المشهد نكاية بخصومه، الذين أبعدوه عن الرئاسة وفق المبادرة الخليجية التي سبق توقيعها في نوفمبر 2011م؛ حيث تحالف صالح مع الحوثيين معتقدًا أنه سيزيحهم عن المشهد بعد أن يتمكن من جمع أنصاره وقواته، فكانت نهايته على يد الحوثيين عام 2017م. فالحوثي لا يعمل لصالح اليمن، أو حتى الطائفة الزيدية، بل هو عميل إيراني بامتياز، يتمثل دوره في تدمير اليمن وتفكيك الدولة، وجعلها ترس في عجلة المشروع الإيراني، وهذا ما حدث عندما سيطر الحوثي بشكل كامل على كل مؤسسات الدولة في صنعاء عام 2015م.
فمن ذلك التاريخ تعطلت التنمية باليمن تمامًا وفي كل المجالات، وصار عمل الحوثي يتركز في إلغاء الدولة الوطنية، وتكريس الولاء لإيران باعتبارها قائدة المقاومة وصاحبة الثورة، بل صار يفرض على الشعب اليمني بكل أطيافه وتياراته وطوائفه إعلان الولاء لعبد الملك الحوثي ولإيران، ومن لا يُعلن ولائه تكون نهايته السجن، أو الموت، حتى المفكرين والإعلاميين والسياسيين اليمنيين لحقهم الأذى والاعتقال والقتل؛ لأنهم رفضوا أن يكونوا أبواقًا لإيران، وأن ينخرطوا في هذا المشروع الإرهابي الذي دمر اليمن. واليوم مضى على الحوثي أكثر من عشرة أعوام في عاصمة بلد ممزق ومنهك، وهو يعمل في طاعة الحرس الثوري الإيراني.
إن الوضع في اليمن لا يختلف عن لبنان أو العراق، فالبلد مختطف من قبل ميليشيا تخدم الأجندة الإيرانية في إطار مشروعها الصفوي لتدمير العالم العربي. فالصورة غدت واضحة تمامًا فملاحظة أين خراب العمران، وقتل الإنسان، وتعطل التنمية، ونزيف الدم تجدها في البلدان التي دخلتها إيران.
إن نجاح عملية فجر اليمن العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية الشرعية بدعم من التحالف العربي لاستعادة الدولة وتحرير اليمن من الحوثي، هي إنقاذ لعالمنا العربي من مشروع صفوي مدمر كما حدث مع سوريا الأبية التي تخلصت من هذا المشروع الإرهابي.