علي بن عبدالله علي الوهابي
لم يعد التصعيد في اليمن شأنًا محليًا يمكن قراءته بمعزل عن محيطه الإقليمي، كما لم تعد التهديدات التي تطال البحر الأحمر وباب المندب مجرد انعكاس للصراع اليمني.. فما يجري على الأرض اليمنية يتقاطع اليوم مع حسابات الأمن الإقليمي ومصالح القوى الدولية ومستقبل الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
الأخبار المتداولة بشأن استهداف مواقع عسكرية والحديث عن خلايا وخطط تستهدف قيادات أمنية وعسكرية في عدد من المدن اليمنية بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مصرية ويمنية وتحذيرات أوروبية من تصاعد التهديدات البحرية تكشف عن مشهد تتداخل فيه ثلاثة مستويات هي صراع السلطة داخل اليمن والتنافس الإقليمي على النفوذ والمواجهة الأوسع المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
غير أن الأهم من تعدد هذه الأحداث هو السؤال الذي نطرحه.. هل نحن أمام تصعيد عابر تفرضه ظروف المرحلة أم أمام مسار تتجه فيه الأزمة اليمنية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتجاوز آثارها حدود اليمن؟
من المواجهة العسكرية إلى معركة تثبيت النفوذ
لا يمكن فهم المشهد اليمني من خلال التحركات العسكرية وحدها فالصراعات الممتدة لا تُحسم دائمًا بالسيطرة على المواقع وإنما بقدرة الأطراف على فرض معادلات سياسية وأمنية يصعب تجاوزها.
وحيث تتزايد المخاوف الأمنية وتُعلن عمليات تستهدف مواقع عسكرية أو خلايا يُشتبه في ارتباطها بجهات مسلحة فإن ذلك يعكس بصرف النظر عن النتائج النهائية لهذه العمليات أن الصراع لم يعد محصورًا في خطوط المواجهة التقليدية بل يمتد إلى حماية المؤسسات وتأمين المدن وملاحقة شبكات الدعم، ومحاولة منع الخصم من تحويل حضوره العسكري إلى نفوذ دائم داخل مؤسسات الدولة ومجتمعها.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية في اليمن .. فاستعادة موقع أو تحييد مجموعة مسلحة لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، إذ إن بناء الاستقرار يحتاج إلى مؤسسات قادرة على فرض القانون وأجهزة أمنية تعمل ضمن منظومة موحدة وسلطة سياسية تحظى بقدر مقبول من الثقة والشرعية.
وإذا ظلت المعالجة محصورة في الجانب العسكري من دون معالجة الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإن نتائج المواجهات ستظل قابلة للانتكاس مهما بدت بعض العمليات ناجحة في المدى القريب.
مصر واليمن.. أمن البحر الأحمر مصلحة مشتركة
من جهة أخرى يحمل التحرك الدبلوماسي المصري تجاه التطورات اليمنية دلالة تتجاوز حدود التضامن السياسي، فمصر ترتبط بالبحر الأحمر ارتباطًا استراتيجيًا مباشرًا ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي وإنما أيضًا بسبب صلته بقناة السويس وحركة التجارة الدولية ومصادر الدخل المرتبطة بالملاحة.
ومن ثم فإن أي اضطراب مستمر في باب المندب لا يمثل مشكلة تخص اليمن أو الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها بل يمكن أن يمتد أثره إلى طرق التجارة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد وحسابات الشركات والدول التي تعتمد على انسياب التجارة بين آسيا وأوروبا.
وهذا يفسر أهمية التنسيق بين القاهرة والحكومة اليمنية كما يفسر الحاجة إلى مقاربة إقليمية تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره منظومة مترابطة لا مجموعة من الملفات المنفصلة.
ولذلك فإن التنسيق السياسي مهما بلغت أهميته لن يكون كافيًا ما لم يستند إلى رؤية أوسع تعالج جذور التهديد وتمنع استخدام الأراضي اليمنية منصةً لتصفية الحسابات الإقليمية، فحماية الممرات البحرية تبدأ في جانب مهم منها من استقرار الدول المحيطة بها وقدرتها على بسط سلطتها على أراضيها.
باب المندب.. الممر الذي يضاعف تكلفة الصراع
تنبع حساسية باب المندب من حقيقة جغرافية واضحة فهو حلقة أساسية في حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم فإن أي تهديد مستمر لحركة السفن فيه يخلق تداعيات تتجاوز المنطقة المباشرة.
الخطورة لا تكمن بالضرورة في إغلاق الممر بصورة كاملة فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو قبول تكاليف تأمين أعلى أو اتخاذ تدابير احترازية تؤثر في زمن الرحلات وكلفتها.
وهكذا يتحول التهديد البحري إلى ورقة ضغط تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة، فكلما اتسعت دائرة المتضررين ازدادت قدرة الأطراف المتسببة في الاضطراب على جذب الاهتمام الدولي وربما فرض مطالبها على طاولة التفاوض.
ولكن هذه الورقة تنطوي أيضًا على مفارقة مهمة فالأطراف التي تراهن على اضطراب الملاحة لتحقيق مكاسب سياسية قد تجد نفسها أمام ضغوط عسكرية واقتصادية ودبلوماسية أكبر فضلًا عن تحميل المجتمعات اليمنية نفسها جزءًا من تكلفة المواجهة.
لذلك فإن أمن البحر الأحمر لا يمكن اختزاله في حماية السفن أو مرافقتها عسكريًا على أهمية هذه الإجراءات بل يتطلب أيضًا تقليص مصادر التهديد وتعزيز التعاون بين الدول المعنية وتجنب السياسات التي توسع دائرة الصراع بدل احتوائه.
التحذيرات الأوروبية.. ما وراء أمن السفن
عندما تصدر تحذيرات أوروبية من تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة فإن المسألة لا تتعلق بحركة السفن وحدها وإنما بحماية مصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة، فالتجارة الدولية لا تتعامل مع الممرات البحرية باعتبارها خطوطًا على الخريطة بل باعتبارها شرايين تعتمد عليها حركة الإنتاج والتوريد والأسواق.
ومع ذلك ينبغي التمييز بين التحذير من المخاطر وبين القدرة على إنهائها، فوجود قوات بحرية أو عمليات حماية للسفن قد يحد من بعض الأخطار لكنه لا يضمن معالجة الأسباب التي تعيد إنتاجها.
كما أن تعدد المبادرات الدولية لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية موحدة إذ قد تتفق الدول على حماية الملاحة بينما تختلف في أولوياتها السياسية وفي كيفية التعامل مع أطراف الصراع وفي حدود الدور العسكري الذي ينبغي أن تضطلع به.
ومن هنا تبرز أهمية أن يتحول الاهتمام الدولي من الاستجابة لكل حادثة على حدة إلى دعم تسوية سياسية وأمنية أكثر استدامة تمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للمساومات الإقليمية.
الخطر الأعمق.. الدعم الإيراني وتدويل الصراع اليمني
لا يمكن فهم حجم التهديد الحوثي للمملكة العربية السعودية ولليمن نفسه من دون التوقف عند الدور الإيراني في بناء القدرات العسكرية للجماعة وتطويرها، فالدعم الإيراني بالسلاح والتقنيات والخبرات العسكرية لم يكن تفصيلًا هامشيًا في مسار الصراع بل كان عاملًا أساسيًا في تعزيز قدرة الحوثيين على امتلاك منظومات صاروخية وطائرات مسيّرة وتوسيع نطاق عملياتهم.
ولولا هذا الدعم الإيراني لما امتلك الحوثيون القدرات العسكرية المتقدمة التي مكنتهم من تهديد المملكة العربية السعودية واستهداف منشآتها ومقدراتها ولا من فرض هذا المستوى من القوة المسلحة على اليمنيين أنفسهم. فالمسألة لا تتعلق بتأييد سياسي أو تقارب في المواقف بل بدعم عسكري أسهم في تغيير طبيعة المواجهة ورفع تكلفتها على اليمن والمنطقة.
المفارقة أن إيران التي تمد الحوثيين بأسباب القوة العسكرية لا تتحمل التكلفة التي يتحملها اليمنيون نتيجة استمرار الصراع، فاليمني هو الذي يدفع ثمن انهيار مؤسسات دولته وتدهور اقتصاده وتراجع فرص الاستقرار فيما تتحول قدرات الجماعة المسلحة إلى ورقة ضمن حسابات إقليمية أوسع.
من هنا فإن استقرار اليمن لا ينفصل عن وقف التدخلات التي تعزز القوة العسكرية خارج إطار الدولة، كما أن حماية المملكة العربية السعودية من التهديدات الحوثية ترتبط بمعالجة مصادر هذه القدرات لا بالاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد وقوعها، فالمطلوب ليس فقط احتواء الخطر حين يظهر بل منع استمرار العوامل التي تغذيه وتعيد إنتاجه.
ولا يعني ذلك أن الأزمة اليمنية يمكن تفسيرها بعامل خارجي واحد فهي أزمة لها جذور داخلية سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة.. لكن تجاهل أثر التدخلات الإقليمية لا يقل خطأً عن اختزال الأزمة كلها فيها، فاستعادة الدولة اليمنية لقرارها الوطني تقتضي الحد من التدخلات الخارجية وتوحيد القرار الأمني والعسكري وفتح المجال أمام تسوية سياسية قابلة للحياة.
ما الذي ينبغي أن تفضي إليه هذه التطورات؟
تفرض هذه المعطيات ثلاث أولويات مترابطة.
الأولى: دعم استقرار اليمن على أساس مؤسسات الدولة لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائج المواجهات العسكرية، فالأمن المستدام لا يتحقق بمجرد تفكيك الخلايا المسلحة وإنما ببناء مؤسسات قادرة على منع ظهورها مجددًا وتعزيز ثقة المواطنين في الدولة.
الثانية: تعزيز التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر والدول المعنية بالملاحة الدولية مع إعطاء الأولوية للمساعي الدبلوماسية وتبادل المعلومات، وضمان أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة وتجنب أي تصعيد غير محسوب من شأنه توسيع نطاق المواجهة وتهديد الاستقرار الإقليمي والدولي.
الثالثة : إبقاء الحل السياسي اليمني في صدارة الاهتمام فالتعامل مع التهديدات الأمنية ضرورة لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التسوية التي تعالج أسباب الصراع وتضمن مشاركة سياسية مسؤولة وتعيد الاعتبار للمصلحة الوطنية اليمنية.
وأخيراً : تكشف التطورات في اليمن والبحر الأحمر عن حقيقة يصعب تجاهلها وهي أن الجغرافيا قد تمنح الدولة أهمية استراتيجية لكنها لا تمنحها الاستقرار تلقائيًا.. فالموقع الذي يمكن أن يكون مصدر قوة اقتصادية وسياسية قد يتحول في ظل الانقسام وضعف المؤسسات إلى مدخل لاستنزاف طويل تتداخل فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
اليمن اليوم ليس بحاجة إلى جولة جديدة من الصراع بقدر حاجته إلى مسار يعيد بناء الدولة ويمنع تحويل أراضيه وموانئه وموقعه البحري إلى أدوات في صراعات الآخرين.. كما أن أمن البحر الأحمر لن يستقر بمجرد احتواء التهديدات الآنية بل يحتاج إلى بيئة إقليمية أكثر تعاونًا وتسوية يمنية تقلص دوافع التصعيد ومصادره.
المعادلة في نهاية المطاف واضحة.. كلما ضعفت الدولة اليمنية اتسعت مساحة التدخلات والمخاطر، وكلما اقترب اليمن من استعادة مؤسساته وقراره الوطني ازدادت فرص حماية أمنه وأمن محيطه.. وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل اليمن كما يتحدد جانب مهم من مستقبل الأمن في البحر الأحمر.