تمثل الرؤية والرسالة الإطار المرجعي الذي يوجّه العمل المؤسسي داخل الأقسام الأكاديمية، ويعبّر عن اتجاهها الإستراتيجي. غير أن هذا الإطار قد يتحول في بعض الحالات إلى صياغات عامة لا تظهر مفرداتها بوضوح في الممارسات الفعلية، بما في ذلك الإنتاج المعرفي. وإذا كانت الرؤية والرسالة تمثلان بوصلة العمل المؤسسي، فإن السؤال يبرز حول مدى حضور هذه البوصلة في التوجه البحثي داخل الأقسام الأكاديمية: هل تظهر مفردات الرؤية فعليًا في الموضوعات البحثية، وهل يمكن قياس ذلك؟
وتتجلى أهمية هذه العلاقة في البيئة الأكاديمية، حيث لا تقتصر وظيفة الرؤية والرسالة على تحديد التطلعات المستقبلية، بل تمتد إلى توجيه الأولويات العلمية والبحثية. فالرسائل الجامعية، بوصفها أحد مخرجات البرامج الأكاديمية، تتيح قراءة جانب من التوجهات المعرفية التي تتشكل داخل الأقسام، وتكشف عن المجالات التي تحظى باهتمام بحثي أكبر من غيرها.
غير أن العلاقة بين التوجه المؤسسي المعلن والإنتاج البحثي ليست بالضرورة علاقة تطابق مباشر؛ إذ تتداخل في تشكيل الموضوعات البحثية اهتمامات الباحثين، وتخصصات المشرفين، والتحولات المعرفية، واحتياجات الميدان. ومن هنا، فإن تفاوت حضور المجالات البحثية لا يمثل في ذاته دليلًا على ضعف الاتساق، لكنه يثير تساؤلًا حول مدى انعكاس الأولويات الاستراتيجية المعلنة في خريطة الإنتاج العلمي.
وتبرز الإشكالية حين تصبح الرؤية والرسالة إطارًا معلنًا يصعب تتبع أثره في التوجهات البحثية، لا بسبب غياب الإنتاج العلمي بالضرورة، وإنما لعدم وضوح الصلة بين ما تتبناه الأقسام من أولويات وما تتناوله رسائلها من موضوعات. وهو ما يستدعي الانتقال من الاكتفاء بقراءة النصوص الاستراتيجية إلى فحص أحد تجلياتها الممكنة في الممارسة الأكاديمية، دون افتراض أن الرسائل العلمية وحدها تكفي للحكم على مدى تحقق الرؤية المؤسسية.
تنطلق هذه القراءة من تحليل محتوى رسائل الدكتوراه في برامج القيادة التربوية بالجامعات السعودية، عبر تصنيف موضوعاتها ضمن خمس مجالات بحثية، ثم مقارنة مفردات الرؤية والرسالة بالتوزيع الفعلي لهذه المجالات في الرسائل. ويُقصد باتساق التوجه البحثي انعكاس مفردات الرؤية والرسالة في الموضوعات البحثية الفعلية للقسم، بما يمكن ملاحظته من خلال توزيع المجالات البحثية ونسب حضورها في الدراسات.
ولعل ما منح هذه القراءة بُعدها الأعمق هو ذلك التحفيز العلمي الذي وجدته لدى الأستاذة الدكتورة هيلة منديل التويجري؛ إذ لم يكن تشجيعها مجرد دعوة إلى مواصلة البحث، بل كان دافعًا لإعادة النظر في التفاصيل، وطرح الأسئلة، والبحث عمّا وراء الأرقام والتصنيفات. فقد أسهم اهتمامها ومناقشاتها العلمية في تعزيز شغفي بهذا المسار البحثي، وتحويل عملية التحليل من مهمة أكاديمية إلى رحلة معرفية ممتعة، تتسع فيها مساحة التساؤل والاكتشاف، وتتجدد معها الرغبة في فهم العلاقة بين ما تعلنه المؤسسات الأكاديمية وما تعكسه ممارساتها البحثية.
اعتمدت هذه القراءة على تصنيف موضوعات الرسائل ضمن خمس مجالات بحثية تمثل أبرز مسارات القيادة التربوية، تشمل: القيادة التنظيمية وإدارة الموارد، وقيادة التطوير والتحسين المدرسي، والقيادة الأخلاقية والمواطنة والقيم، وقيادة العلاقات والشراكة، إضافة إلى الاتجاهات الحديثة في القيادة التربوية. ويتيح هذا التصنيف قراءة توزيع الموضوعات البحثية وتحديد نسب حضور كل مجال.
وشملت العينة ثلاث جامعات سعودية تمنح درجة الدكتوراه في تخصصات القيادة والإدارة التربوية، هي جامعة القصيم، وجامعة الملك سعود، وجامعة أم القرى، وذلك لوفرة بياناتها وإمكانية الوصول إلى رسائلها العلمية. وبلغ عدد الرسائل المحللة 42 رسالة في جامعة القصيم، و40 رسالة في جامعة الملك سعود، و45 رسالة في جامعة أم القرى. وقد تم تحليل موضوعات هذه الرسائل، إلى جانب تحليل مفردات الرؤية والرسالة لكل قسم، بهدف مقارنة توزيع المجالات البحثية مع هذه المفردات وقراءة مدى حضورها في التوجه البحثي.
تكشف قراءة التوجهات البحثية في البرامج محل الدراسة عن أنماط متباينة في توزيع المجالات البحثية، تختلف في درجة تركيزها وتوازنها بين المجالات المختلفة. ففي أحد البرامج، يظهر نمط يميل إلى التركّز في مجالات محددة، حيث تتصدر موضوعات قيادة التطوير والتحسين المدرسي والاتجاهات الحديثة في القيادة التربوية خريطة التوجه البحثي، مع حضور أقل لبقية المجالات. وعند قراءة هذا النمط في ضوء مفردات الرؤية، يظهر حضور أوضح للمجالات المرتبطة بالتطوير والتوجهات الحديثة، في حين تبدو مجالات أخرى أقل تمثّلًا داخل التوزيع البحثي.
وفي برنامج آخر، يتخذ التوزيع البحثي نمطًا أكثر حدة في تركّزه، حيث يهيمن مجال قيادة التطوير والتحسين المدرسي على نسبة كبيرة من الدراسات مقارنة ببقية المجالات. وعند مقارنته بمفردات الرؤية، يتجه التوزيع البحثي نحو مجالات محددة بدرجة أعلى، مقابل حضور أقل لمجالات أخرى، بما يعكس تباينًا في تمثّل بعض المفردات داخل الإنتاج البحثي.
وعلى خلاف ذلك، يُظهر أحد البرامج نمطًا أقرب إلى التوازن النسبي بين عدد من المجالات، مع تقدم مجال الاتجاهات الحديثة في القيادة التربوية، يليه مجال التطوير والتحسين المدرسي، دون هيمنة مطلقة لمجال واحد. وعند قراءة هذا التوزيع في ضوء مفردات الرؤية، يظهر قدر من التقارب النسبي في تمثّل بعض المجالات، مع استمرار تفاوت مستويات الحضور بين المجالات المختلفة.
يبرز تحليل التوجهات البحثية في برامج القيادة التربوية أهمية النظر إلى العلاقة بين ما تعلنه الأقسام من رؤى استراتيجية، وما تعكسه فعليًا موضوعات رسائلها العلمية. فالاتساق هنا لا يُفهم بوصفه تطابقًا كاملًا، بل قراءة لمدى حضور المفردات الاستراتيجية داخل التوجه البحثي، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من المراجعة والتطوير، بما يعزز من فاعلية التخطيط الأكاديمي وتوجيه البحث العلمي.
** **
روبي عبدالله عوض الثبيتي - دكتوراه الفلسفة في القيادة التربوية