حين نتأمل تاريخ المملكة العربية السعودية منذ إعلان توحيدها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932م، نجد أنفسنا أمام مسيرة وطنية حافلة بالتحديات والتحولات الكبرى؛ مسيرة لم تخلُ من الأزمات والمحن، لكنها تكشف عن قدرة الدولة على تجاوز كثير من الصعوبات، والمحافظة على وحدتها واستمرارية مؤسساتها، والمضي في بناء حاضرها واستشراف مستقبلها.
وقد أرسى الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، دعائم الدولة على ثوابت مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، قوامها العدل، وحفظ الحقوق، وإرساء الأمن، وصون وحدة الوطن؛ فغدت هذه المبادئ أساسًا لبناء الدولة ونهجًا مستمرًا في مسيرتها.
لقد نشأت المملكة في بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وفي ظروف اقتصادية واجتماعية شديدة الصعوبة، حيث محدودية الموارد، وقسوة الطبيعة، وضعف البنية الأساسية، وتباعد المناطق، فضلًا عن التحديات الأمنية والسياسية التي صاحبت مرحلة التأسيس. وكان توحيد البلاد وإرساء الأمن وبناء مؤسسات الدولة من أعظم التحولات التي شهدتها الجزيرة العربية في تاريخها الحديث، بعدما انتقلت أجزاء واسعة منها من التفرق السياسي إلى كيان وطني موحد.
ولم تكن السنوات الأولى من عمر الدولة الحديثة يسيرة؛ فقد واجهت المملكة آثار الكساد الاقتصادي العالمي، وتراجع الإيرادات، ومحدودية الموارد المالية قبل التوسع في إنتاج النفط. ومع ذلك، استمرت جهود بناء مؤسسات الدولة وتنظيم شؤونها، حتى جاء اكتشاف النفط بكميات تجارية ليشكل نقطة تحول اقتصادية كبرى، فتوسعت إمكانات التنمية، وبدأت مراحل متتابعة من إنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والمرافق العامة.
ومع تعاقب العقود، عاصرت المملكة اضطرابات سياسية وعسكرية في محيطها الإقليمي، على وقع التحولات التي شهدها العالم العربي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وما صاحبها من انقلابات عسكرية وصراعات أيديولوجية وتنافس على النفوذ، إلى جانب الحروب العربية الإسرائيلية وتداعياتها. وقد فرضت تلك المرحلة تحديات تتصل بأمن الحدود واستقرار المنطقة والعلاقات بين الدول العربية، في وقت كانت المملكة تواصل فيه بناء مؤسساتها وتطوير اقتصادها وخدماتها.
وشهدت تلك الحقبة نشوء تيارات قومية ثورية رفعت شعارات الوحدة والتحرر، فيما كشفت التجارب لاحقًا عن اتساع الفجوة بين الوعود والتطبيق، وغلبة حسابات السلطة على تطلعات الشعوب في بعض تلك التجارب. واقترنت هذه التحولات في مراحل منها بخطاب إعلامي عدائي وتدخلات سياسية وعسكرية استهدفت استقرار المملكة، وبلغ التوتر ذروته خلال الصراع في اليمن، حين امتدت تداعياته إلى حدودها الجنوبية. وقد تجاوزت المملكة تلك التحديات بحكمة قيادتها وثبات موقفها وخرجت منها أكثر قوة وتماسكاً محافظةً على أمنها ووحدتها، بينما انحسرت مشاريع وشعارات كانت تملأ المشهد السياسي آنذاك.
ثم جاءت أحداث عام 1979م لتشكل منعطفًا أمنيًا بالغ الحساسية، عندما تعرض المسجد الحرام لاعتداء مسلح انتهك حرمة المكان وقدسيته، وأحدث صدمة واسعة في العالم. وقد استعادت الدولة السيطرة على المسجد الحرام، وأعادت الأمن إليه، في واقعة بقيت شاهدًا على جسامة مسؤولية حماية المقدسات الإسلامية وصون أمن قاصديها، وجسّدت أهمية الجاهزية الأمنية والمسؤولية الملقاة على عاتق الدولة في حماية الحرمين الشريفين، وأثبتت قدرة المملكة على مواجهة التحديات وتجاوز الأزمات والتغلب عليها بحكمة واتزان مستندة إلى ثبات مبادئها وبعد نظر قيادتها الرشيدة.
وكانت في العام نفسه، قد اندلعت الثورة الإيرانية التي أطاحت بالنظام الإمبراطوري في إيران، وأقامت نظام الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني. ولم تقف تداعياتها عند حدود إيران، إذ أثارت شعارات تصدير الثورة والتوترات المذهبية والسياسية مخاوف دول الخليج من التدخل في شؤونها الداخلية وأسهمت في إعادة تشكيل موازين الأمن الإقليمي. وفي خضم تلك التحولات تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتعزيز التنسيق والتعاون بين دوله، فيما واصلت المملكة حماية سيادتها وأمنها والعمل على صون استقرار المنطقة.
وامتدت التوترات إلى موسم الحج عام 1987م، حين تحولت مسيرة سياسية نظمها حجاج إيرانيون في مكة المكرمة إلى مواجهات دامية مع قوات الأمن، سقط فيها مئات الضحايا من الحجاج ورجال الأمن. أبرزت هذه الحادثة صلابة موقف المملكة في عدم السماح بنقل الصراعات السياسية إلى المشاعر المقدسة، وأهمية صون فريضة الحج من التجاذبات السياسية والنأي بها عن محاولات التوظيف لتحقيق مكاسب سياسية أو رفع شعارات طائفية. وقد برهنت المملكة عبر عقود من الخبرة والتجارب على قدرتها على إدارة شؤون الحج وتنظيمه والتعامل مع ما يواجهه من تحديات بحكمة واقتدار.
وفي عام 1990م، واجهت المنطقة واحدة من أخطر أزماتها عندما غزا النظام العراقي دولة الكويت، الأمر الذي وضع أمن الخليج أمام تهديد مباشر، ودفع المملكة إلى استضافة قوات التحالف الدولي والمشاركة في الجهود الرامية إلى تحرير الكويت عام 1991م. وقد كشفت تلك الأزمة أهمية التعاون الإقليمي والدولي في مواجهة التهديدات العسكرية، كما تركت آثارًا سياسية وأمنية واقتصادية امتدت سنوات طويلة.
ومنذ منتصف التسعينيات، لم تكن المملكة بمنأى عن خطر الإرهاب الذي تصاعد مع ظهور التنظيمات المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم القاعدة وما أعقب ذلك من اعتداءات إرهابية، لا سيما خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، استهدفت أمن الوطن ومقدراته وطالت المساجد والمنشآت والأحياء السكنية وشهدت العاصمة الرياض وغيرها من مدن المملكة تفجيرات آثمة في محاولات لزعزعة الاستقرار والنيل من أمن المجتمع وتماسكه. وواجهت الأجهزة الأمنية هذه الاعتداءات، وعملت على تفكيك الشبكات المتطرفة وتعزيز حماية المجتمع.
وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، هزّت الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة العالم، وأحدثت تحولات عميقة في السياسات الأمنية والعلاقات الدولية، وأطلقت مرحلة جديدة من الحرب على الإرهاب. وقد طالت المملكة اتهامات وضغوط سياسية وإعلامية، ولا سيما بعد ثبوت أن خمسة عشر من منفذي الهجمات التسعة عشر يحملون الجنسية السعودية. غير أن جنسية الأفراد لا تعني مسؤولية الدولة عن أفعالهم؛ وقد خلص تقرير لجنة التحقيق الأمريكية في أحداث سبتمبر إلى عدم العثور على دليل يثبت أن الحكومة السعودية أو مسؤوليها قد موّلوا تنظيم القاعدة. وفي خضم تلك التداعيات، كثّفت المملكة جهود مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، وعززت تعاونها الأمني الدولي، في الوقت الذي واجهت فيه بنفسها اعتداءات إرهابية استهدفت أمنها ومواطنيها ومقيميها.
ثم جاءت حرب العراق عام 2003م، حين قادت الولايات المتحدة غزوًا انتهى بسقوط نظام صدام حسين، لتفتح مرحلة شديدة الاضطراب في المنطقة. فقد تسببت الحرب وما أعقبها من تفكك مؤسسات الدولة العراقية وتصاعد العنف المسلح والانقسامات الطائفية في تداعيات أمنية وسياسية امتدت إلى دول الجوار، وأتاحت مجالًا أوسع لنفوذ إيران ولنشاط تنظيمات متطرفة، من بينها تنظيم القاعدة في العراق، الذي نشأ منه لاحقًا تنظيم داعش. وقد واجهت المملكة آثار هذه التحولات عبر تعزيز أمنها الداخلي وحدودها، ومكافحة الإرهاب، والدعوة إلى الحفاظ على وحدة العراق وسيادته إدراكًا منها أن استقرار العراق ركيزة مهمة لأمن المنطقة بأسرها.
وفي سياق مواجهة التهديدات الإرهابية التي اتسعت في المنطقة خلال السنوات التالية لسقوط النظام العراقي، ولا سيما مع صعود تنظيم القاعدة في العراق ثم تنظيم داعش، أعلنت المملكة في ديسمبر 2015م تأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، واتخذ من الرياض مقرًا له. وجاءت هذه المبادرة لتعزيز التنسيق بين الدول المشاركة في المجالات الفكرية والإعلامية ومكافحة تمويل الإرهاب والعمل العسكري، انطلاقًا من أن التصدي للإرهاب يتطلب تعاونًا يتجاوز المواجهة الأمنية إلى مواجهة خطاب التطرف وتجفيف موارده.
وفي المجال الاقتصادي، واجهت المملكة تقلبات حادة في أسعار النفط، وأزمات مالية عالمية، وتحديات ترتبط بالاعتماد على الإيرادات النفطية. وقد دفعت هذه التحولات إلى تطوير السياسات المالية والاقتصادية، وصولًا إلى إطلاق رؤية المملكة 2030، التي وضعت تنويع الاقتصاد وتنمية القطاعات غير النفطية ورفع كفاءة الخدمات وتوسيع فرص الاستثمار والعمل في صميم أولوياتها.
وفي محيطها الإقليمي، واجهت المملكة كذلك تحديات أمنية مرتبطة بالصراع في اليمن، والهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أراضيها ومنشآتها المدنية والاقتصادية، إلى جانب التهديدات التي طالت أمن الطاقة والملاحة. وقد تداخلت في هذه الملفات الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية، وبرزت الحاجة إلى الجمع بين حماية الأمن الوطني والعمل الدبلوماسي والجهود الرامية إلى خفض التصعيد.
وعلى امتداد هذه المراحل، ظل البعد الديني ركيزة أساسية في هوية الدولة السعودية، التي جعلت من الإسلام مرجعًا لنظامها، ومن خدمة الحرمين الشريفين مسؤولية تاريخية ودينية كبرى. وقد تجسدت هذه المسؤولية في التوسعات المتعاقبة للمسجد الحرام والمسجد النبوي، وتطوير المشاعر المقدسة، وتحسين منظومات النقل والصحة والسلامة والخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين، بما يواكب الزيادة الكبيرة في أعداد قاصدي بيت الله الحرام ومسجد رسوله الكريم.
وفي البناء الداخلي، مثّلت مبادئ العدل وحفظ الأمن وصيانة الحقوق والعمل المؤسسي مرتكزات معلنة للحكم، بينما اتسعت مجالات التنمية لتشمل التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية والتقنية والثقافة. وقد ارتبط تطور الدولة كذلك بمسار طويل من الإصلاحات الإدارية والتنظيمية والاجتماعية، بما يعكس أن المحافظة على الاستقرار لا تنفصل عن ضرورة التطوير والاستجابة للمتغيرات.
ولم تنحصر أدوار المملكة في شؤونها الداخلية؛ فقد أسهمت عبر عقود في برامج المساعدات الإنسانية والتنموية، ودعم الدول المتضررة من الكوارث والنزاعات، والمشاركة في جهود الوساطة والعمل الدبلوماسي. وهي أدوار تعكس تصورًا للأمن والاستقرار يتجاوز حماية الحدود إلى دعم التنمية وتخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز التعاون الدولي.
إن قراءة هذه المسيرة تكشف أن قوة الدول لا تقاس بغياب الأزمات عن تاريخها، وإنما بقدرتها على التعامل معها، واستخلاص الدروس منها، والحفاظ على مؤسساتها ووحدتها الوطنية. فقد تبدلت أنظمة وتراجعت مشاريع سياسية، بينما واصلت المملكة تطوير مؤسساتها وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، مدركةً أن الاستقرار يستلزم تجددًا دائمًا وقدرة على الاستجابة للمتغيرات.
وهكذا، فإن تاريخ المملكة ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل تجربة ممتدة في بناء الدولة وإدارة التحولات؛ تتكامل فيها ثوابت الهوية مع متطلبات العصر، وحماية الأمن مع طموحات التنمية، وخدمة الحرمين الشريفين مع بناء اقتصاد متنوع ومجتمع مزدهر.
إن الاعتداءات الحوثية الإرهابية التي تستهدف أمن المملكة واستقرارها، وتمتد لتهديد مقدسات المسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ليست إلا فصلًا جديدًا من التحديات التي واجهتها هذه البلاد عبر تاريخها. وستذهب هذه الاعتداءات سدى، كما ذهبت محاولات سابقة للنيل من أمنها وسيادتها. وستبقى المملكة، بإذن الله، شامخةً بعزها، ماضيةً في مسيرة البناء والتنمية، وفي رسالتها السامية لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما. حفظ الله بلادنا وقيادتها وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء.
** **
- عبدالرحمن بن عبدالرحيم الشريف