د. سجى عارف
لم يكن الفيديو الذي بثّته القنوات الإعلامية في الحادي عشر من أكتوبر موثقًا للحظة اعتداء ميليشيا الحوثي الإرهابية على مطار الملك خالد الدولي فحسب، بل كان نموذجًا لكيفية توظيف الإعلام المهني في خدمة الأمن الوطني أثناء الأزمات، أظهرت اللقطات حجم الضرر الذي طال مرفقًا مدنيًا وأبرزت في الوقت ذاته قدرة المواطن السعودي على التعامل مع الأزمات وسرعة استجابة فرق الطوارئ والأجهزة المختصة واحتواء الموقف بكفاءة عالية.
وأظهر الفيديو جانبًا آخر من خطورة الاعتداء يتمثل في استهداف مرفق مدني يعبر منه معتمرون ومسافرون من جنسيات متعددة وهو ما يضع الحادثة في إطار يتجاوز حدود الاستهداف العسكري المزعوم إلى تعريض أرواح المدنيين وقاصدي المشاعر المقدسة للخطر.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية مضاعفة عندما تستحضر المحاولات السابقة التي استهدفت أمن المملكة ومقدساتنا الإسلامية، إذ تكشف الصورة الموثقة أن المعركة لم تكن يومًا ضد منشآت أو أهداف معزولة، بل ضد أمن المنطقة واستقرارها وسلامة ملايين المسلمين، لذا جاء نشر هذه المشاهد جزءًا من معركة الوعي كونه يقدم للرأي العام المحلي والدولي دليلًا بصريًا على طبيعة التهديد وحقيقة الميليشيا الإرهابية التي تستهدف المرافق المدنية وضيوف الرحمن.
وتكمن أهمية مثل هذه المواد الإعلامية في كونها تنقل المشاهد من دائرة السماع إلى دائرة المشاهدة فالبيان يشرح أما الصورة فتُقنع، وعندما يرى المتابع داخل المملكة وخارجها منشأة مدنية تتعرض للاعتداء ثم يُشاهد قدرة المؤسسات الوطنية على التعامل مع الحدث باحترافية فإن الرسالة لا تتعلق بالحادثة ذاتها بقدر ما تتعلق بصلابة الدولة في الأزمات والحروب وكفاءة أجهزتها وقوة أبنائها ومهنية إعلامها.
والحروب الحديثة لا تُخاض المعارك في الميدان فقط بل في الفضاء الإعلامي أيضًا فالإرهابيون يسعون إلى تحقيق أثر نفسي يتجاوز الأثر المادي بينما يعمل الإعلام الوطني على منع هذا الأثر من التمدد عبر تقديم الحقائق والأدلة وإظهار قدرة الدولة على المواجهة، وهنا يتحول الإعلام من ناقل للأحداث إلى أحد أدوات الردع المعنوي والاستقرار المجتمعي.
التجارب التاريخية تؤكد ذلك، فالدول التي نجحت في إدارة أزماتها الكبرى لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها بل جمعت بينها وبين القوة السردية الوطنية، فالحرب العالمية الثانية شهدت دورًا محوريًا للإعلام البريطاني في تعزيز الصمود الشعبي والحفاظ على الثقة بالمؤسسات رغم القصف والاستهداف المستمر، وحرب أكتوبر المصرية عززت من أهمية الإعلام في رفع الروح المعنوية وترسيخ الثقة بالمؤسسات الوطنية، والفارق أن أدوات اليوم أصبحت أكثر تأثيرًا وسرعة وقدرة على الوصول إلى العالم.
وتؤكد التجارب الدولية أن الصورة الموثقة أصبحت عنصرًا مؤثرًا ففي الحرب الأوكرانية الحديثة تحولت المقاطع المصورة الميدانية إلى أداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام الدولي وحشد الدعم السياسي والإنساني والعسكري وبينت هذه التجارب الدرس الذي يقول إن الدول لا تدافع عن حدودها بالقوة العسكرية وحدها بل تدافع عنها أيضًا بالحقيقة الموثقة والرواية القادرة على الوصول إلى العالم وإقناعه.
الشفافية في هذا السياق لا تعني كشف كل شيء بل تعني تقديم الحقيقة دون الإضرار بالأمن الوطني، فالدولة مطالبة باطلاع مواطنيها والرأي العام على مايحدث وهي مطالبة أيضًا بحماية المعلومات التي قد تخدم العدو وهذه المعادلة هي جوهر الاتصال الاستراتيجي الناجح أثناء الأزمات.
واللافت أن تأثير هذه الرسائل لا يتوقف عند حدود الدولة، فالشعوب الشقيقة والصديقة والدول المجاورة تتابع المشهد ذاته وتبني مواقفها وانطباعاتها من خلال ما تراه، لذلك تصبح المواد المصورة الموثقة جزءًا من القوة الناعمة للدولة وأداة لتعزيز الثقة الدولية وكسب التأييد وإثبات الحقائق، وفيديوهات استهداف مطار الرياض لم يوثق الاعتداء فحسب بل وثق فشل المعتدي في تحقيق أهدافه النفسية وهي الرسالة التي تسعى الدول دائمًا إلى إيصالها عندما تواجه مثل هذه الاعتداءات.
ولهذا لم يكن عرض فيديوهات استهداف صالات مطار الملك خالد الدولي أو أي فيديو لا حق بها مجرد تغطية خبرية عابرة بل ممارسة إعلامية تؤكد أن الكاميرا أحيانًا تصبح خط دفاع إضافيًا وأن الصورة الصادقة قادرة على حماية الرواية الوطنية وإبراز قوة الدولة وإفشال الأهداف النفسية التي يسعى إليها المعتدي وأعوانه من الذباب الإلكتروني المُمنهج فهي معركة وعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.