أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
ناقشَ المساق السابق مسألة النخبويَّة في تلقِّي الأدب، وأشار إلى أنَّ عدم النخبويَّة غير مسوِّغ لقلَّة الأدب في الأدب، كبعض الصور الشِّعريَّة في شِعرنا القديم أو الحديث. وجاء أنَّ هذا الإشكال قد واجه النقد الأدبي، منذ نبَّه (عبد القاهر الجرجاني)(1) إلى أنَّ الاستخفاف بالقِيَم في الشِّعر، لا تسيء إلى القِيَم فحسب، بل تسيء قبل ذلك إلى رسالة الشاعر وعلاقته بالقارئ، فتقذفه بعيدًا عن جمهرة التلقِّي، ليظلَّ قابعًا على قارعة التلقِّي مع من كان على شاكلته، وهم الأقلُّ، مهما كان فساد المجتمع. فإنْ لم يكن الشاعر حريصًا على القِيَم، فمن الغباء أن يضحِّي بجماهيره من المتلقِّين، فيصادمهم في أخلاقهم ومشاعرهم. لكنَّ الغباء فنون! قلتُ:
ـ فكيف لو اطَّلع (الجرجاني) على بعض مباذل زماننا الشِّعريَّة؟! وما فيه من سخافات، يجاورها ما فيه من عنف لُغوي. والعنف اللُّغوي ليس سِوَى تمظهرٍ صوتيٍّ للعنف الدَّموي، في نهاية المطاف:
يا سادتي:
بِخِنْجَري هذا الذي تَرَوْنَهُ
طعنتُهُ في صدره و الرَّقَبَةْ
طعنتُهُ في عقلهِ المنخُور مثل الخَشَبَةْ
طعنتُهُ باسمي أنا..
واسْمِ الملايينِ من الأغنامْ
يا سادتي:
أعرفُ أنَّ تُهْمَتي..
عِقَابُها الإعدامْ..
لكنَّني..
قَتَلْتُ إذْ قَتَلْتُهُ
كُلَّ الصراصير التي تُنشِدُ في الظَّلامْ
والمستريحينَ على أرصفةِ الأحلامْ
قَتَلْتُ إذْ قَتَلْتُهُ
كُلَّ الطُّفَيْليَّاتِ في حديقة الإسلامْ
كُلَّ الذين يطلُبُونَ الرِّزْقَ من دُكَّانَةِ الإسلامْ
قَتَلْتُ إذْ قَتَلْتُهُ..
يا سادتي الكرامْ
كُلَّ الذين منذُ ألفِ عامْ
يَزْنُوْنَ بالكَلامْ...
ـ طعنتُهُ.. قتلتُهُ... من هذا الداعشي الهُمام، الذي يجترُّ «قَتَلْتُ إذْ قَتَلْتُهُ»، في لغةٍ شوارعيَّة لا شِعريَّة؟
ـ لا.. لا.. لا.. احترم نفسك! هذا شاعرٌ رقيقٌ جِدًّا! كلُّ شِعره يدور في فلك الغزَل والغناء للحُبِّ والمرأة! إنَّه مولانا (نزار قباني)(2)، قدَّس الله سِرَّه! وإنَّما هو يقسو على رأي الشاعر:
فَقَسا لِيَزدَجِروا ومَن يَكُ حازِمًا ?
فَليَـقـسُ أَحيانًا على مَن يَرحَـمُ
ـ ليَزدَجِروا؟ أم ليقتتلوا؟ هذا يلفتنا، إذن، في بعض الشِّعر إلى سخافاتٍ يجاورها عنف لُغوي. إنه بهذا يُثبت أنه بنفسه لا من زمرة «الذين منذُ ألفِ عامْ.. يَـ... بالكَلامْ» فحسب، بل «ويقتلون بالكَلامْ» أيضًا، كما في هذا النص؟!
ـ يُعَدُّ هذا عَرَضًا لمَرَضٍ معاصرٍ عالمي، أكثر استشراءً.
ـ إذا كان هكذا يقول «شاعر المرأة» فكيف تُراه يقول شاعر الحرافيش؟ إنَّ في قوله تبريرًا للقتل وتحريضًا عليه.
وأمَّا ألاعيب الشعراء والنقَّاد المبرِّرة لمثل هذا العنف اللُّغوي، فلا تنطلي إلَّا على الثقلاء من أتباع الهوى، أو البلهاء من حواريِّيهم. فلئن قيل إنَّ القتل هنا قتلٌ معنوي، لا حقيقي، فلا فرق.
ولو سلَّمنا بهذا، فأنَّى للجمهور الذي يصفِّق لمثل هذا الشِّعر- كما قلنا في سياق سابق- أن يفقه الفرق بين الحقيقة والمجاز، وَفق نظريَّتهما في البلاغة العَرَبيَّة، أو يعي نظريَّات (كلود ليفيشتراوس) في المعاني الرمزيَّة للكلمات. بل سيحمل إليه النصُّ- من شاعر العصر الحديث- رسالة تسويغيَّة مباشرة للقتل، تحفيزيَّة عليه، متى واتت الفرصة.
ـ ما (نزار)- على كلِّ حال- سِوَى تلميذ- مقلِّد، مقلَّد- لبعض الخطاب الأدبي الغربي الحديث، الذي يعجُّ بالبذاءات، وبالعنف اللُّغوي، وتصوير الجريمة، والرُّعب، وتطبيع النفوس على تقبُّل الأعمال الدمويَّة وغير الأخلاقيَّة بأيِّ معيار، سواء في الأدب أو السينما، يؤطَّر ذلك على أنَّه عبقريَّة لا يُشقُّ لها غبار، وابتكار إبداعي، وإلهام شيطاني فريد.
ـ أمَّا الإطار الأخير، فصحيح. إنَّ نصَّ (نزار) الآنف يذكِّرنا- على سبيل المثال- ببعض نصوص (إدغار ألان بو Edgar Allan Poe، - 1849)، الشَّاعر والقاصُّ والناقد الأميركي، المشهور بأدبه الغرائبي الغامض، والمعدود رائدًا في الأدب البوليسي. وفي هذا النوع الأخير كان يكتب (بو) أعمالًا أشبه بالتحريض على الإجرام، والتحبيب فيه، أكثر من كونها أدبًا بوليسيًّا، يرسم للجريمة عقابها؛ لتكون له حينئذٍ رسالته، وَفق مقولة التطهير الأرسطيَّة، أو حتى رسالته العقلانيَّة.
ـ مثل؟
ـ من ذلك، نموذجًا، قصة (إدغار ألان بو) القصيرة بعنوان «The Tell-Tale Heart»، التي يمكن ترجمتها إلى «القلب الحاكي، أو الواشي»، المنشورة 1843. وتصوِّر القِصَّة جريمة قتلٍ بشعةٍ جِدًّا ضِدَّ رجُلٍ عجوز، وهو نائم. ولم يكن للقاتل من سببٍ منطقي، وإنْ كان منطقًا إجراميًّا، غير أنَّ البطل، كما قال لنا الكاتب، كان يُحِبُّ الرجُل العجوز، الذي لم يخطئ في حقِّه قط، ولم يوجِّه إليه أيَّة إهانة، لكنَّ عَينه الزرقاء ، التي تُشبِه عَين نسر، كانت تزعجه!
ـ تذكِّرنا فكرة القصَّة هنا بحكاية «عَين الذِّئب»، لـ(محمَّد علوان).(3) ولعلَّ فكرة «عَين الذِّئب»، كما صوَّرها علوان، جاءت من إيحاء عَين (بو) في قِصَّته تلك.
ـ المهم، هكذا كانت عَين العجوز تزعج البطلَ المغوار، فقرَّر أن يقتل صاحبها ليتخلَّص من تلك العَين المزعجة إلى الأبد.. هكذا ببساطة، أو قل: هكذا بسخافة، قد تنعت بالرمزيَّة! ثمَّ بعد شرحٍ مفصَّلٍ طويلٍ ومملٍّ لكيفيَّة تخطيط البطل لتنفيذ الجريمة، الذي استمرَّ عدَّة ليالٍ، يشرح للقارئ كيف قام بطله بتقطيع جُثَّة ضحيَّته وإخفائها. كلُّ ذلك بمتعةٍ وتفاخرٍ والتذاذٍ جنوني. لتصيبه في آخر القِصَّة نَوبةٌ هيستيريَّةٌ نفسيَّة، غير مفهومة الأسباب، تجعله فجأةً يعترف من تلقاء نفسه لرجال الشرطة بما ارتكبه.
ـ كأنَّك تقول، يا (ذا القُروح)، كعادتك في الافتراء على الإبداع الأدبي الحديث، إنَّ تلك قِصَّة إجراميَّة بمحتواها، أوَّلًا، وبائسة، ثانيًا، في فنيَّاتها القصصيَّة.
ـ بل قل: هي قِصَّة لا قِصَّة فيها أصلًا، فلا الجريمة وقعتْ لأسباب، ولا اعتراف المجرم جاء كذلك لأسباب واقعيَّة، أو حتى غير واقعيَّة. وكأنَّما الهدف لا يعدو تطبيع الجريمة في المجتمع، بل تعليم هواة المجرمين كيف يمكن أن يجعلوا جرائمهم لُعَبًا احترافيَّة وممتعة. والعجيب أنَّ هذه القِصَّة تقدَّم في (الولايات المتحدة الأميركيَّة) في كتاب منشور بعنوان «The Best Short Stories for High School»، «أفضل القصص القصيرة لطلبة المدارس الثانويَّة»، وقد جعلوها أُولى تلك المفضَّليَّات من القصص القصيرة لطلبة المرحلة الثانويَّة. وبعدها قصَّة «The Murder»، «القاتل»، لـ(جون ستاينبك John Steinbeck، -1968)، الفائز بجائزة نوبل في الأدب، لعام 1962.
ـ على كل حال، وعلى ذكر (نوبل)، فنوبل ليست مجرد جائزة! بل يبدو أنه (لا نوبل بلا طبلٍ مصاحب)، أي لا نوبل بلا قرعٍ على طبلات الآذان الغربيَّة. والآذان الغربيَّة، على طولها، لا تسمع عادةً بسهولة، إلَّا ما يحلو لها، فهذا تسمعه، وقبل أن يكتبه الكاتب. لا بُدَّ من طبلٍ، وإنْ طال السَّفَرْ، وإنْ تَحنَّى كُلُّ عَوْدٍ ودَبِرْ!
ـ وتلك حكاية أخرى، أغرب من «القلب الحاكي، أو الواشي» لـ(إدغار ألان بو)، لكنَّ موعدنا معها المساق التالي.
مرفأ:
عَلَى خَدِّهَا ارْتَفَّ وَرْدُ الشَّآمِ
يُحَيِّيْ الخُزَامَى بِدَهْنَا (الحَفَرْ)
يَقُوْلُ: عَلَامَ تَشَاجَرُ مِنَّا
عُرُوْقٌ؟ وتَجْفُوْ جَنَاهَا الشَّجَرْ؟!
وكُنَّا النَّدَامَى قَدِيْمًا، مَزَجْنَا
دِمَاءَ الأَعَادِيْ بِرَاحِ الكَدَرْ!
**__**__**__**__**__**
(1) يُنظَر: (1991)، أسرار البلاغة، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (جُدَّة: دار المدني)، 233.
(2) قصيدة «الاستجواب»، الأعمال السياسيَّة الكاملة، 3: 134- 136.
أمَّا لقب شاعر المرأة، فلقب لا يكرم المرأة، بل يهينها، وكان حقُّه أن يلقَّب بلقبٍ آخَر أنسب للُغته. لا نُكران أنَّ (نزارًا) كان شاعرًا مميَّزًا قياسًا إلى غيره، لولا جناية الشهوة الشعبويَّة على تجربته وتصفيق الجماهير الغوغائيَّة.
(3) (1983)، الحكاية تبدأ هكذا (قِصَص قصيرة)، (الرياض: دار العلوم)، 80- 83.
و«العَين الواحدة» تَرِد لدى (علوان) في قِصَّة أخرى- بدِلالةٍ رمزيَّةٍ شبيهةٍ، وإنْ اختلفتْ في سياق التوظيف- تلك هي القِصَّة التي تحمل عنوان المجموعة التي منها قِصَّة «عَين الذِّئب»: «الحكاية.. تبدأ هكذا». (يُنظَر: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (2014)، فصولٌ نقديَّة في الأدب السُّعوديِّ الحديث، (الرِّياض: كرسي الأدب السعودي- جامعة المَلِك سعود)، 1: 255- 281.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)