محمد بن عبدالله آل شملان
تُشكل عمارة الطين في الدرعية بالرياض إرثاً هندسياً وحضارياً يعكس الهوية النجدية الأصيلة. وقد وثّق الملك تشارلز الثالث « أمير ويلز آنذاك « رؤيته وانطباعاته حول هذا التراث المعماري الفريد، مستعرضاً مراحل تدهوره ثم بعثه من جديد كنموذج للاستدامة والتناغم البيئي البشري.
اعتبر تشارلز عمارة الطين في الدرعية علامة فارقة ميزت تراث البناء في منطقة نجد لقرون طويلة.
يذكر الملك تشارلز الثالث بأن هذه العمارة تميزت في تشكيلها بالروعة والمهابة، وعبّرت بأناقتها البسيطة عن شخصية السكان وهويتهم، وأشار إلى أن المباني الطينية شكلت وسيلة ذكية استجاب بها الإنسان النجدي للظروف البيئية والصحراوية الصعبة التي واجهته.
ويصف بحسب ملاحظته بقوله: «ومن المؤسف أنه، بداية من أعوام العقد 1970م، ومنذ بداية الازدهار البترولي في المملكة العربية السعودية، شهدت هذه العمارة فترة طويلة من التدهور والتحلل، تميزت هذه الفترة بموجة هائلة من البناء، موجة رفضت عمارة الطين الخاصة بالبيئة التقليدية، وبدلاً منها التفتت إلى المدن الجديدة، المبنية من الخرسانة والصلب والزجاج، والتي كانت رمزاً للتطلعات الجديدة للبلاد والعصر».
كما رأى « تشارلز « أنه بعد مرور وقت كافٍ على طفرة البناء، حان الوقت لتقييم واقع العمارة الجديدة في حياتنا، حيث اكتشف البشر أن جوانب الرفاهية العصرية تأتي غالباً بثمن مرتفع يقلل بطريقة غير مقصودة من قيمة الطبيعة البشرية وطبيعة الأرض نفسها.
ويستكمل الملك تشارلز الثالث رؤيته حول «مزرعة العذيبات» بالدرعية، ملقياً الضوء على البُعد المعرفي والتطبيقي للمشروع، وكيف تحول من مجرد ترميم أثري إلى مدرسة معمارية حية للمستقبل، حيث يذكر بأن مشروع المزرعة ارتكز على بحث بيئي تطبيقي متخصص، ولم يكن مجرد عملية بناء عشوائية ونجح البحث في جمع البنّائين التقليديين الذين يمتلكون خبرة الأرض بالمهندسين المعماريين المعاصرين، حيث رأى أن الهدف المشترك من ذلك هو إيجاد صيغة هندسية حديثة تطور طريقة البناء التقليدية الخالدة وتضمن استمراريتها.
كما أشار إلى أنه لم تقف المبادرة عند حدود إحياء وتثبيت المباني الطينية القديمة فقط، بل امتدت لتصميم وتشييد مبانٍ طينية جديدة بالكامل تناسب متطلبات واستخدامات الحياة المتطورة في الموقع، واختتم الملك تشارلز الثالث رأيه بأن العناصر القديمة والحديثة في العذيبات تداخلت لدرجة الذوبان، وشكلت وحدة بصرية ووظيفية متسقة، معتبراً هذه العمارة بأنها تعبّر عن تقاليد نبتت جذورها أصلاً من تربة الدرعية التاريخية، لكنها تتحرك بمرونة نحو المستقبل، وتتحرك الآن بحسب قوله: «إلى الأمام كنموذج يتزايد الاقتداء به كوسيلة للمعيشة المعاصرة والمستدامة».
تعكس زيارة الملك تشارلز الثالث عندما كان ولياً للعهد عام 2014م لمزرعة العذيبات التاريخي بالدرعية وثيقة بالغة الأهمية تسلط الضوء على عمق الطراز المعماري النجدي الفريد.
فقد شكل اهتمامه ورصده البصري شهادة دولية بارزة لتوثيق نمط الحياة التراثية وتفاصيل العمارة الطينية في منطقة نجد. تُعد انطباعات الملك تشارلز، المعروف بشغفه الكبير بالحفاظ على البيئة والمباني التاريخية، من المصادر المعاصرة المهمة للإشادة بجهود ترميم وإحياء التراث في الدرعية، ولا سيما أنها تمثل موقعاً مسجلاً في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ولذلك فإن هذا الاهتمام الدولي يستحق مزيداً من الرصد والتوثيق، لما يحمله من قيمة تعزز مكانة التراث السعودي عالمياً، وتسهم في استحضار ما بذله الآباء والأجداد في تشييد هذه الحواضر الطينية من مواد البيئة المحلية، مع استشعار ما تنعم به بلادنا المملكة العربية السعودية اليوم من نهضة وتنمية واستقرار وأمن في ظل العناية الفائقة بجذورنا التاريخية.