د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
شهد الناتج الصناعي في الدول المتقدمة تحولا هيكليا يتمثل في تراجع حصة التصنيع التقليدي لصالح قطاع الخدمات المتقدمة، لكن لم تتراجع القيمة المطلقة للناتج الصناعي، بل استمرت في النمو، فقط حصتها النسبية انخفضت، لذلك لا تزال هذه الدول تستحوذ على قرابة 35 - 40 % من هيكل الإنتاج الصناعي العالمي، ومن المتوقع أن يرتفع نصيب الصين 45 % ارتفاعا من 6 % عام 2000 مع التركيز على الصناعات الرأسمالية والتقنيات العالية، ولا يزال يستحوذ قطاع الصناعات التحويلية في السعودية على نسبة تتجاوز 20 % من إجمالي الأنشطة غير النفطية، فيما يسهم القطاع الصناعي 12% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية.
كما انتقل مركز الثقل الاقتصادي في الدول النامية من الزراعة إلى التصنيع، كذلك ينتقل في السعودية من الاقتصاد الآحادي المعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع ركيزته الاقتصاد الصناعي.
وضعت السعودية القطاع الصناعي ضمن أولوياتها في إطار رؤية 2030 من خلال مبادرة صنع في السعودية، وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، ويعد هذا التحول من أبرز ملامح فصل النمو الصناعي عن تقلبات أسعار النفط.
ووفق تقارير حديثة صادرة عن بلومبرغ وستاندرد آند بوز أن السعودية ضمن الاقتصادات القادرة على تنفيذ تحول اقتصادي حقيقي، مدفوعا باستراتيجية طويلة المدى واستثمارات مدروسة، لذلك تود السعودية ترميم فجوات تحتاج معالجة سريعة لضمان استمرارية النمو الصناعي، وبشكل خاص التوسع في قطاعات، مثل المعدات الصناعية، والتقنيات المتقدمة، والصناعات الكيماوية، يعكس ثقة السوق المحلي والدولي.
لم تعد الصناعة السعودية تابعة لتحركات أسواق النفط، بل قطاع قائم على الإنتاج والتمكين وتحقيق شراكات نوعية، ليصبح ركيزة مستقلة وداعما لمسار التنمية الشاملة، ومن هذا المنطلق تعمل الدولة على تسريع تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة، ورفع القدرة الإنتاجية المستهدفة إلى 120 جيجاوات بحلول 2030 ليواكب الطلب المتزايد على توسعة القطاع الصناعي لمضاعفة الناتج المحلي الصناعي بنحو 3 مرات ليصل إلى 895 مليار ريال بحلول 2030، يبلغ الناتج الصناعي في 2025 نحو 385 مليار ريال، وصلت الصادرات غير النفطية في 2025 نحو 624 مليار ريال سلع وخدمات وإعادة صادرات، فيما الصادرات السلعية فقط 225 مليار ريال، تهدف هذه الاستراتيجية الشاملة لتحويل السعودية إلى قوة صناعية عالمية رائدة عبر تمكين القطاعات الواعدة، مع رفع حجم الصادرات غير النفطية لتصل إلى 557 مليار ريال.
تكامل الطاقة والصناعة والتعدين خطوة لتعظيم الثروة الوطنية وتعزز سلاسل القيمة ضمن رؤية 2030، وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية، وتحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ورفع كفاءة استثمار موارده، لتعزيز تنافسية السعودية من أجل بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعا واستدامة.
تضاعف أعداد المنشآت من 7آلاف مصنع عام 2015 إلى أكثر من 13 ألف مصنع في 2025، وسجل النمو السنوي إلى 9.3 % مدفوعا بارتفاع أنشطة الصناعة التحويلية والتعدين، ونجح القطاع الصناعي في أن يكون المحرك الأول لنمو الاقتصاد غير النفطي، الذي بلغت مساهمته نحو 53 % من الناتج المحلي الإجمالي للسعودية.
أطلق سمو ولي العهد الاستراتيجية الوطنية للصناعة في أكتوبر 2022 لتمثل طريق طموحة تهدف إلى تحويل السعودية إلى قوة صناعية عالمية بحلول عام 2030، وفي 2021 انطلق صنع في السعودية عبر برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، وهيئة تنمية الصادرات السعودية لتشجيع المواهب والابتكارات المحلية، وتعزيز قدرة الشركات المحلية على توسيع نطاق وصولها، والترويج لمنتجاتها محليا وعالميا، استطاع أن يجذب القطاع أكثر من 495 مليار ريال، بحجم استثمارات تتجاوز 1.2 تريليون ريال.
تضع السعودية نفسها كمركز إقليمي لصناعة السيارات المتطورة الكهربائية، وبالتوازي مع التفوق في صناعة السيارات، لم يغب قطاع الصناعات العسكرية عن المشهد الصناعي، إذ حققت السعودية طفرة غير مسبوقة في توطين هذه الصناعة، فبعد ان كانت نسب التوطين لا تتجاوز 4% قفزت اليوم لتتخطى حاجز ال25 % مع طموح بالوصول إلى 50 % بحلول 2030، وتنتج المصانع السعودية اليوم أنظمة دفاعية متطورة وطائرات بدون طيار مما يعزز استقلال القرار الوطني ويدعم الاقتصاد المحلي، ولم تكتف الرؤية بالصناعات الثقيلة، بل توغلت في عالم الإلكترونيات الدقيقة عبر إطلاق شركة آلات، لجعل السعودية لاعبا رئيسيا في تصنيع أشباه الموصلات لتعزيز الصناعة المحلية لتصنيع الهواتف الذكية والحواسيب المتقدمة.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا