د.عبدالله بن موسى الطاير
للدعاية السياسية قدرة عجيبة على إعادة إنتاج فشلها، وبغض النظر عن أسماء الدول، وتبدل وجوه المذيعين، وتطور وسائل البث، فإن المضمون يبقى واحدا؛ فالقوات تتقدم، والعدو ينهار، والنصر المؤزر يلوح في الأفق القريب. في لحظات التخدير تلك تكون المطارات قد دمرت، والقوات قد تقهقرت، والقيادات في سعي حثيث عن ملاذات هروب آمنة، أما المذيع فيواصل الاحتفال بثقة خبير الأرصاد الذي يؤكد أن السماء صافية، بينما الغبار يسد عين الشمس.
يعد جوزيف غوبلز واحداً من أشهر الذين حولوا الدعاية إلى صناعة سياسية متكاملة، فلم يكن ينظر إلى الجمهور باعتباره طرفاً يستحق المعرفة أو الاحترام، وإنما كتل بشرية يمكن تحريكها بالخوف، وتعبئتها بالحماس، وشحنها بالكراهية. بعد هزيمة ستالينغراد عام 1943م، تحولت الدعاية من الوعد بالسيطرة على العالم إلى التهديد بأن العالم سيهلك إذا خسرت ألمانيا.
بعد نحو عقدين انتقلت المسرحية إلى القاهرة، وكان مذيع صوت العرب أحمد سعيد، أحد أشهر أصوات المرحلة الناصرية، وارتبط في ذاكرة جيل كامل بالأحلام العربية القومية الكبرى. قرأت الكثير عن خطاب هزيمة 1967م السياسي والإعلامي، وعن الفجوة الهائلة بين ما كان يحدث في ميادين القتال وما كانت تقوله الإذاعات العربية، فبينما كانت الطائرات المصرية تحترق على مدارجها، كانت البيانات تتحدث عن عشرات الطائرات الإسرائيلية التي تتساقط كالذباب، والقوات العربية التي تقترب من تل أبيب؛ يا لها من أخبار أبكت الناس فرحاً، وسكبت وعد العودة في قلوب اللاجئين ليس بعد سنوات وإنما في غضون ساعات. أحمد سعيد لم تكن مشكلته الوحيدة في المبالغة في حجم الانتصار، وإنما في عدم وجود انتصار من الأساس.
الدعاية في أوقات الحرب تمارس خداع الجمهور والنظام الذي ينتجها، حيث تتدرج الأكاذيب من استهداف المستويات الدنيا إلى القيادة العليا، فتؤثر في الضابط والمسؤول، ويعيد الوزير صياغة الأرقام، حتى يصل إلى رأس النظام تقرير يؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام، فيتخذ القرار بناء على معلومات غير صحيحة، ثم يجري إنتاج المزيد من الأكاذيب لتغطية نتائج القرار الخاطئ. هكذا تكذب الدولة على شعبها، ثم تصدق ما قالته له.
تابعت أخبار حرب العراق عام 2003م من العاصمة واشنطن، ومشهد وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف الذي كان يقف أمام الكاميرات لينفي وجود القوات الأمريكية في بغداد، بينما كانت الدبابات الأمريكية تظهر في خلفية الصورة. ربما كان الصحاف يعرف أنه يكذب، وربما كان يقرأ بيانات أعدها آخرون، وربما صدق بعض ما قاله. في جميع الأحوال كانت الدبابات التي ظهرت خلفه أكثر بلاغة من كلماته.
اليوم نعايش فصلاً جديداً من هذه الظاهرة في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تطورت وسائل الاتصال، لكن الخطاب لم يتغير كثيراً، فحديث المهزوم عن صفعات كبرى، وصواريخ أصابت أهدافها، وقواعد دمرت، وحاملات طائرات تعرضت للهجوم، وانتصار يقترب في كل بيان. الفرق بين عام 1967م و2026م أن أحمد سعيد كان يحتاج إلى صوت قوي، ومفردات حماسية، واستوديو إذاعي، أما الدعاية الحديثة فلديها الذكاء الاصطناعي، وبرامج تعديل الصور، وحسابات إلكترونية قادرة على إنتاج آلاف المنشورات خلال ساعات، وجيوش افتراضية تعيد نشر الادعاء حتى يبدو حقيقة مستقرة. حروب الإعلام لا تكتفي بنشر الأخبار الكاذبة، بل تصنع جمهوراً لها، وتستدرج المتحمسين، وتدفعهم إلى الدفاع عنها، حتى يصبح المواطن نفسه جزءًا من عملية التضليل.
دعاية الحرس الثوري الناطقة بالعربية ضعيفة وحججها متهافتة، إلا أن مكبرات صوت الوكلاء الخارجية تمنحها الانتشار وبعض المصداقية. قنوات فضائية عربية تنقل رواية الحرس الثوري، وتعيد صياغتها، وتستضيف من يدافع عنها، وتقدمها لجمهور عربي يريد أن يصدق أن هناك قوة إقليمية قادرة على إذلال إسرائيل والولايات المتحدة. كان صوت العرب يبث عبر برنامج إذاعي محدود القدرة، أما اليوم فهناك إمبراطوريات فضائية تصل إلى مئات الملايين، إضافة إلى المنصات الرقمية التي لا تعرف حدوداً جغرافية. الإعلام العربي الذي يدعي الحياد، أو ينحاز بصفاقة لإيران يواصل إعلان اقتراب النصر، وانهيار العدو، ويعدد الصواريخ التي أصابت أهدافها، وطائرات العدو التي تتساقط كالذباب، لكنه في الوقت نفسه لا يقول لنا من هو العدو؟
هناك فارق كبير بين إدارة المعلومات في زمن الحرب، وبين بناء واقع كامل من الأكاذيب، فالأولى يمكن أن تخدم المعركة، أما الثانية فتدمر قدرة الدولة على فهم المعركة. كما أن البيانات الكاذبة قد تمنح الناس ساعات من الفرح، لكنها تجعل الصدمة مضاعفة حين تتكشف الحقيقة.