مهدي العبار العنزي
في ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، وتزايد الضغوطات اليومية، نلحظ مؤخراً تصاعداً مقلقاً في حدة الخلافات الزوجية داخل الكثير من البيوت.
هذه المشاكل، وإن بدت في ظاهرها عابرة أو بسيطة، إلا أن تكرارها دون علاج يحيل السكينة إلى توتر دائم، ويهدد الكيان الأسري بالشرخ والتصدع. إن نجاح الأسرة لا يقاس بغياب المشاكل تماماً، بل بالركائز التي يستند إليها الزوجان لمواجهة هذه العواصف، وعلى رأس هذه الركائز: المودة، والمحبة، والاحترام المتبادل.
لقد لخص القرآن الكريم دستور العلاقة الزوجية في آية جامعة تختصر كل معاني السكن النفسي: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}. والمودة ليست مجرد عاطفة حب عابرة تتأثر بظروف الحياة، بل هي سلوك عملي يترجم إلى كلمة طيبة، ولمسة حانية، وتغافل عن الزلات.
عندما تبنى الأسرة على المحبة الصادقة، يصبح العطاء متبادلاً دون شروط، وتتحول العلاقة من «واجبات مفروضة» إلى «مبادرات مدفوعة بالحب». هذه العاطفة هي التي تمنح الزوجين طاقة الصبر والتحمل عندما تشتد الأزمات المالية أو الاجتماعية.
وإذا كانت المحبة هي وقود العلاقة، فإن الاحترام هو سياجها الحامي. كثرة المشاكل وتكرارها غالباً ما تبدأ عندما يسقط حاجز الاحترام بين الطرفين، سواء باللفظ، أو بالإشارة، أو بالتقليل من شأن الآخر وتهميش رأيه.
فاحترام الآخر يعني:
* تقدير جهوده: اعتراف كل طرف بما يقدمه الآخر؛ فالزوج يكدح في عمله لتأمين الحياة الكبيرة، والزوجة تدير مملكتها وتربي الأجيال.
* احترام الخصوصية والطباع: تقبل فكرة أن الطرف الآخر إنسان مستقل له شخصيته وطريقة تفكيره، وليس نسخة مطابقة منا.
* حفظ الكرامة وقت الخلاف: أن يختلف الزوجان دون تجريح، وأن تبقى أسرارهما خلف الأبواب المغلقة، فلا تخرج للأهل أو الأصدقاء.
ومن أكبر مسببات تفاقم المشاكل الزوجية هو غياب «ثقافة الإنصات» وتحول النقاش إلى ساحة معركة يبحث فيها كل طرف عن الانتصار وإثبات أنه على حق. العلاقة الزوجية هي شراكة تكاملية وليست علاقة ندية.
فالأسرة الناجحة هي التي يتجرد فيها الطرفان من الأنانية، ويجلسان على طاولة الحوار ليس لتوجيه اتهامات، بل للبحث عن حلول وتجاوز الهفوات. وكما قيل قديماً: «تغافل تفلح»، فالتغافل الذكي عن صغائر الأمور هو الذي يبقي حبل الود متصلاً.
ولا ينحصر أثر الخلافات الزوجية داخل حدود غرفة السكن، بل يمتد مباشرة إلى نفوس الأطفال. الأبناء الذين ينشؤون في بيئة مشحونة بالصراخ والتوتر، غالباً ما يعانون من اهتزاز الشخصية، والقلق، وضعف التحصيل الدراسي.
بالمقابل، عندما يشاهد الطفل والده يحترم أمه ويقدرها، ويرى أمه ترعى والده وتوقره، ينشأ سويّاً، واثقاً من نفسه، ويتعلم بشكل تلقائي كيف يبني أسرته في المستقبل. إن أعظم هدية يقدمها الآباء للأبناء هي بيئة مستقرة هادئة.
مع ذلك فإن البيوت المستقرة لا تخلو من العواصف، لكنها تمتلك «جذوراً عميقة» من الحب والتقدير تجعلها تصمد. علاج كثرة المشاكل لا يكون بالهروب أو بالعناد، بل بالعودة إلى الأصل: كلمة طيبة تطيب الخواطر، واعتذار صادق يذيب الخلاف، واحترام متبادل يحفظ للبيت هيبته وسكينته.
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا صلح الأساس، صلح البنيان كله.
وأخيراً دعونا نساهم في ايجاد أسرة تقدم ابنائها الصالحين لخدمة الدين ثم المليك والوطن