رمضان جريدي العنزي
جبر الخواطر ليس مالًا يبذل فحسب، ولا هديةً تقدم، ولا معروفًا ينتظر عليه ثناء أو شكر، بل هو خلقٌ عظيم تتجلى فيه أنبل معاني الإنسانية، وتظهر من خلاله حقيقة النفوس ومعدن الرجال، إنه ذلك الأثر الجميل الذي يتركه الإنسان في قلب أخيه دون ضجيج، وذلك النور الذي يبدد شيئًا من ظلمة الحزن دون أن يشعر به أحد، فكم من إنسان أثقلته الأيام بأحمالها، وأرهقته الحياة بما فيها من ابتلاءات، لا يحتاج إلى مال بقدر حاجته إلى كلمة طيبة، أو موقف صادق، أو يد حانية تربت على كتفه وتخبره أن العالم ما زال يحمل شيئًا من الرحمة، فالكلمة الصادقة قد تداوي جراحًا عجزت الأدوية عن مداواتها، والابتسامة المخلصة قد تعيد إلى النفس شيئًا من الأمل بعد أن كادت تستسلم لليأس، وجبر الخواطر لا يحتاج إلى ثروة كبيرة ولا إلى جاه عريض، بل يحتاج إلى قلب يشعر بالناس، وعين ترى آلامهم، وروح تدرك أن للقلوب حقوقًا كما للأجساد حقوق، فكم من شخص جبر خاطر يتيم فكان له عند الله شأن، وكم من إنسان واسى حزينًا أو خفف عن مهموم ففتح الله له من أبواب الخير ما لم يكن يحتسب، ومن أروع صور جبر الخواطر أن تحفظ كرامة المحتاج، وأن تعطيه دون أن تشعره بالحاجة، وأن تقف إلى جانب المنكسر دون أن تذكره بانكساره، وأن تسند المتعثر دون أن تذكره بعثرته، فليس الجبر في العطاء وحده، بل في الطريقة التي يقدم بها العطاء، وفي الرحمة التي تحيط به، وفي الشعور النبيل الذي يرافقه، إن الناس قد ينسون كثيرًا من الكلمات، وقد تغيب عن ذاكرتهم مواقف كثيرة، لكنهم لا ينسون أبدًا من وقف معهم ساعة ضعف، ولا من مد لهم يد العون حين ضاقت بهم السبل، ولا من مسح دموعهم حين خذلتهم الأيام، فالمواقف الصادقة تبقى حيةً في الذاكرة، ويظل أثرها ممتدًا في القلوب مهما تعاقبت السنين.
ولعل من أجمل ما في جبر الخواطر أنه عبادة خفية لا يعلم أجرها إلا الله، فقد يجبر الإنسان خاطرًا بكلمة عابرة يراها صغيرة، بينما تكون عند الله عظيمة، وقد يخفف همًا عن قلب منكسر فيكون ذلك سببًا في سعادته في الدنيا والآخرة، وما أعظم النفوس التي تمضي بين الناس ناشرةً للرحمة، حاملةً للخير، حريصةً على أن تترك خلفها أثرًا طيبًا ودعوةً صادقة، إن الحياة قصيرة مهما طالت، وما يبقى منها ليس ما جمعه الإنسان من مال، ولا ما شيده من متاع، بل ما زرعه في القلوب من محبة، وما نشره بين الناس من خير، وما جبره من خواطر كسيرة، فالمال يفنى، والمناصب تزول، والألقاب تنسى، أما الأثر الطيب فيبقى حيًا في النفوس، تتناقله الدعوات الصادقة جيلاً بعد جيل، فطوبى لمن جعل من لطفه بلسمًا للمتألمين، ومن رحمته ملاذًا للمنكسرين، ومن كلماته حياةً للقلوب الذابلة، طوبى لمن كان حضوره راحة، وحديثه سكينة، وأثره رحمة، فهؤلاء هم الذين يمرون في حياة الناس مرور الكرام، لكنهم يتركون خلفهم ما لا تمحوه الأيام، وما لا تزيله السنون، فإن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه وكنزه، بل ما جبر من كسر، وما أقال من عثرة، وما أزال من هم، وما أحيا من أمل، وما زرع من رحمة في قلوب الناس.