مهدي العبار العنزي
في عالمٍ تحكمه المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، وتتقاذفه أمواج الأزمات والتحولات، يبرز المشهد السعودي كحالة فريدة وعصية على القراءة الكلاسيكية للعلوم السياسية. هذه الفرادة لا تنبع من قوة اقتصادية أو ثقل ديني وموقع استراتيجي فحسب، بل تكمن في «النواة الصلبة» للاستقرار السعودي: وهي العلاقة الاستثنائية والرابطة الوثيقة بين الشعب وولاة الأمر؛ علاقة تتجاوز الأطر التقليدية للحكم لتصل إلى مفهوم الأسرة الواحدة المترابطة.
إن المحك الحقيقي لصلابة الشعوب وولائها لا يظهر في أوقات الرخاء فقط، بل يتجلى أكثر في أوقات الأزمات والمنعطفات التاريخية. والتاريخ الحديث والمعاصر يشهد كيف تحول كل تحدٍ واجهته المملكة العربية السعودية إلى مظاهرة متجددة لتأكيد البيعة والولاء.
حين تشتد الظروف الإقليمية أو تُحاك المؤامرات ضد أمن الوطن، يرتدي الشعب السعودي بمختلف أطيافه وقبائله ومناطقه عباءة الجندي الحامي؛ فيتحول المواطن تلقائياً إلى خط الدفاع الأول عن قيادته ومكتسباته. هذا الالتفاف الشامخ ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لإرث تاريخي يعود إلى يوم التأسيس، حيث تعاهدت القلوب قبل الأيدي على بناء وطن لا يقبل القسمة، وتحت راية لا تنكس.
وإذ كان ولاء الشعب السعودي لولاة أمره ظاهرةً تستحق التأمل، فإن تفسيرها الحقيقي يكمن في «مدرسة الوفاء» التي رسخها ملوك هذه البلاد منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وسار عليها أبناؤه البررة من بعده سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله يرحمهم الله جميعاً، وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز وحفظ الله هذه الأسرة الكريمة المالكة نعم.
أسرة الخير وأهل الخير وأهل الضمير
ما حكمتو بغير الشرع يالعادلين
تنصفون الشريف وترحمون الضعيف
وأنتم أهل المكارم وأنتم المحسنين
أنتم أهل السيوف موحدين الصفوف
دايم أهدافكم عليا ومتكاتفين
إن الوفاء هنا ليس شعاراً سياسياً، بل هو منهج حكم وأمانة تاريخية تجلت في جعل المواطن هو الركيزة الأولى والهدف الأسمى لكل خطط التنمية والتطوير.
لقد تميز ملوك المملكة العربية السعودية بصفة نادرة في الفكر السياسي الحديث، وهي «الامتداد العفوي والأخوي» مع أفراد الشعب. فسياسة الباب المفتوح، والمجالس التي أوجدها الملك عبدالعزيز ثم سار على نهجه الملوك هذه المجالس يستقبل فيها الملك وولي العهد وأمراء المناطق المواطنين دون كلفة أو حاجز، هي تجسيد حي لوفاء القيادة للشعب،
في هذه المجالس يمتزج هيبة المكان بحنان الأبوة، حيث يُسمع الصغير ويُنصف المظلوم وتُقضى الحاجات، في رعاية أبوية ترى في خدمة الشعب شرفاً وتكليفاً لا تشريفاً. وكل مواطن يردد وبصوت واحد:
ياملوكنا واللي حفظ خمس الاركان
مامثلكم بالعدل في كل دوله
وحنا لكم وافين والحق ينصان
معكم لكم وافين مجد ورجوله