أ.د.عثمان بن صالح العامر
(هكذا نجح محمد بن سلمان) هذا هو عنوان المقال الذي كتبه صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل ونُشر في صحيفة الشرق الأوسط مطلع هذا الشهر الميلادي وعلى وجه التحديد يوم السبت 9/ 6/ 2026م.
واتسمت قراءة صاحب السمو التحليلية للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران بالهدوء والوضوح وكشف الأبعاد الحقيقية لما يجري بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والتفسيرات السطحية، مما جعله المقال الأبرز في سبر أغوار الأحداث الواقعة في منطقتنا الخليجية على الإطلاق، ولذا لا عجب أن يكثر الحديث عنه والكلام حوله في جميع وسائل الإعلام الغربية والعربية، القديم منها والحديث.
لقد كان الكاتب للمقال رجل دولة بامتياز، وعراب سياسة من الطراز الأول، يدرك أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل مشاريع إعادة تشكيل للخارطة العالمية، ومحاولات لإنتاج واقع سياسي وأمني جديد، قد تُستخدم فيه بعض الدول وقودًا لصراعات لا تخدم مصالح شعوبها بقدر ما تخدم أجندات دولية وإقليمية أكبر.
وقد كان لافتًا في مقاله الأكثر من رائع إبرازه للدور السعودي ممثلاً بمولاي خادم الخرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الذي اتسم منذ البداية بالحكمة وضبط النفس والعمل الدبلوماسي الهادئ، بعيدًا عن المزايدات والشعارات المرتفعة. فالمملكة العربية السعودية أدركت مبكرًا أن الانجرار نحو المواجهة الشاملة لن يفتح إلا أبواب الفوضى، وأن الحفاظ على استقرار المنطقة مسؤولية تاريخية لا تحتمل الحسابات الضيقة أو ردود الفعل المتسرعة.
لقد أثبتت الحرب التي دارت رحاها في منطقتنا الخليجية ومازالت أن قيادتنا الحكيمة تقرأ المشهد بوعي مختلف؛ ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الأطراف تدفع نحو التصعيد، كانت المملكة تعمل على بناء مسارات تهدئة، وفتح قنوات للحوار، وتخفيف الاحتقان الإقليمي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية والاستقرار لا يمكن أن يجتمعا مع أجواء الحروب المستمرة.
إن ما كشفه الأمير تركي الفيصل يسلط الضوء على حقيقة مهمة، وهي أن كثيرًا من الحروب تبدأ بعناوين معلنة، لكنها تخفي خلفها أهدافًا أخرى تتعلق بإعادة النفوذ، وتحريك الاقتصاد العالمي، وإعادة رسم خرائط التحالفات، وإشغال المنطقة بصراعات تستنزف مقدراتها لعقود طويلة. ومن هنا يمكن فهم كيف استطاعت المملكة أن تُفشل كثيرًا من الأهداف غير المعلنة عبر تمسكها بخيار الاتزان السياسي وعدم الانجرار خلف الاستفزازات.
لقد أثبتت بلادنا الغالية للعالم أجمع في غضون الأشهر القليلة الماضية أن الدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة 2030، ومؤسسات قوية ، وقيادة واعية لطبيعة المرحلة وخفايا الأحداث، تدرك تعقيدات الجغرافيا السياسية، وشعب واثق ومطمئن لموقف بلاده وتحركات قادته وولاة أمره تكون أقدر على حماية مصالحها وضمان أمن شعبها من الدخول في مغامرات غير محسوبة. ولهذا لم يكن الموقف السعودي موقف المتفرج، بل موقف الدولة التي تتحرك بحسابات دقيقة، وتعمل على حماية أمنها الوطني وأمن المنطقة في آنٍ واحد. لقد عودنا صاحب السمو في أحاديثه وحواراته ومقالاته وقراءاته السياسية؛ أن يذهب بنا إلى جذور الأحداث وخلفياتها، ويضع القارئ أمام صورة أوسع تساعده على فهم ما يجري بعيدًا عن التضليل والانفعال اللحظي.
وأختم مقالي هذا بما ختم به صاحب السمو مقاله بقوله (هكذا تُساس الأمور وهكذا تَعمل البصيرة. فعلى بركة الله تسير قافلتنا ولتنبح الكلاب بأعلى أصواتها وليعض أعداؤنا على أصابعهم من الغيظ. وكما قال - صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبد المحسن -رحمه الله-:
وإن حكى فيك حسادك ترى
ما درينا بهرج حسادك أبد
دمتم بخير.. وإلى لقاء والسلام.