د.زيد محمد الرماني
يقول سي بايبك: شأني شأن معظم الناس، كنت دائماً أعي التقدم بصورة غامضة. أما أنني (أعي)، فمرد ذلك إلى أن التقدم كان ولا يزال واحداً من الحقائق القليلة الراسخة التي تبلورت إبان العصر الصناعي. وأما (الغموض) فإنه يعزى للسبب ذاته. ولقد تسنى لكل جيل أن يعيش حياة أفضل من تلك الحياة التي عاشها والداه، بل أفضل من الحياة التي عاشها أكثر أجداده غنى وثروة. لقد صمد هذا التقدم في وجه العديد من دعاة النظرية المالثوسية (بمن فيهم أولئك الذين نظروا لها قبل مالثوس)، والذين أثبتوا حينئذ أن الندرة في بعض الموارد الثمينة (كخشب الوقود، وزيت الحيتان، والحديد، أو الهواء النقي على سبيل المثال) سوف تؤدي إلى توقف التقدم، أو إلى ارتداده بصورة مغايرة خلال بضعة عقود. بيد أن التقدم مسألة تستعصي على التحديد، إذ سرعان ما يقوى التقدم على تجاوز المشكلات بصورة تفوق مسؤوليته في إيجادها. وقد تمخض عن هذه المرونة التي يتسم بها التقدم نوع من التسليم المذعن بأن آفاق التقدم مفتوحة بشكل مستمر، وهو تسليم تجسد في فرضية شائعة مفادها أن النمو الاقتصادي المتسارع قد غدا هو العرف والقاعدة، وأن أي انحراف عن مساره ليس سوى نتيجة لتعثر في السياسة الاقتصادية أو لسوء تخطيط من جانب المسؤولين.
يقول سي بايبك في كتابه ارتقاء التقدم: إن نهاية أحد أشكال التقدم، وهو التقدم المادي، تكمن في صلب التغيرات العديدة المحيرة التي تؤدي إلى مزيد من الإحباط والسخط. والنوع الجديد من التقدم، الذي يجعل من الصفات والقدرات الإنسانية موضوع التغيير لا مصدره، سوف يسيطر على جدول أعمال هذا القرن، بل إنه قد يسيطر حتى على نشاط العقد القادم. لكن أحداثاً مفصلية كهذه قد مرت إلى حد ما دون ملاحظة.
لذا، يعتبر التقدم المادي جديداً نسبياً على المشهد التاريخي. لقد خلص المؤرِّخ الاقتصادي جول موكير في كتابه رافعة الثروة، الذي يعتبر تقصياً حديثاً للنمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي منذ أقدم العصور حتى عام 1914، إلى القول (إننا نعيش مرحلة الاستثناء. فعصرنا فريد من نوعه: ذلك أن المجتمع الغربي لم يتمكن من رفع مستوى معيشة أغلب السكان فوق الحد الأدنى لشروط البقاء إلا في القرنين الأخيرين فقط).
فمنذ بداية الإمبراطورية الرومانية وحتى القرن الثامن عشر، وهي مرحلة تمتد قرابة ألفي عام، قلما طرأ تحسن على ظروف المعيشة. لقد تناول شعب نابليون من الطعام، وارتدوا من الثياب، واتخذوا من المساكن، ما كان شبيهاً بطعام القيصر وثيابه ومسكنه، ولكن المرضى حينذاك كانوا يتلقون من التعاطف والشفقة أكثر مما يتلقون من العلاج، وكان الروث الحيواني أرقى أنواع السماد، فيما كانت الخيول أسرع وسائل النقل والاتصالات، حيث كانت المعلومات تنقل مثلما تنقل البضائع. ولقد وفر الماء وطواحين الهواء الطاقة في أماكن قليلة، أما في أماكن أخرى، فقد كانت طاقة حيوانات جر الأثقال وطاقة الرجال تعتصر شيئاً فشيئاً وبشكل مؤلم.
وما أن بدأت الثورة الصناعية، حتى شرع التقدم المادي في التعويض عن الزمن الذي ضاع سدى، بل إنه حدد طبيعة العصر بشكل فعلي. فالأمم تعلو وتهبط والمعتقدات والفلسفات تتوهج ثم تخبو، وترتقي كيانات سياسية واجتماعية جديدة. ولكن التقدم بحد ذاته يواصل المسير. وعلى الرغم من الحروب والكوارث الطبيعية والمنعطفات السياسية والأزمات الاقتصادية، والمشكلات الآنية الأخرى التي تعج بها صفحات التاريخ، إلا أن كل جيل قد تمكن من تجاوز الجيل الذي سبقه، حتى في تلك الدول المتخلفة نسبياً.
في القرن التاسع عشر كان حدوث المجاعة لا يتطلب أكثر من جفاف موسمين متتاليين، أما اليوم فقد مضى زمن المجاعة لتوافر جبال من الطعام الفائض في الدول المتقدمة جمعيها. بل إن الهند تقوم بين الحين والآخر بتصدير الحبوب. كما أن أي سوق مركزي عادي يعرض كل يوم أصنافاً من السلع الغذائية تفوق ما تناولته عدة أجيال سابقة طوال حياتها. وقد حلت البيوت ذات المياه الجارية، والثلاجات، وحجرات النوم التي يفوق عددها عدد الناس، ومنجزات عظيمة شائعة أخرى، محل الأكواخ المتسخة الأرضيات، والتي تناوبت على الإقامة فيها ثلاثة أجيال أو يزيد.
وقلما غادر الناس قراهم قبيل اختراع السكك الحديدية، أما الآن فإن الآلاف منهم يعبرون القارات والمحيطات في كل يوم. وفي عام 1900 لم يكن بمقدور طالب من بين عشرة طلاب أن يحصل على الشهادة الثانوية العامة التي كانت تشكل الحد الأدنى المطلوب للالتحاق بالعمل منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت وسائل الاتصال الجماهيري أثمن السلع في مطالع القرن التاسع عشر. ولكنها تتوافر الآن في أنحاء العالم قاطبة وتقدم أنباء فورية مقابل ثمن زهيد، أو حتى دون مقابل. لقد كان التقدم سمة الواقع في العصر الحديث.
ولم يؤد هذا التقدم إلى تغيير الحياة مرة واحدة، بل غيرها أضعافاً مضاعفة. فعامل المصنع الذي كان يستدر شفقة الناس إلى حد كبير خلال الفترة الأخيرة من العهد الفيكتوري كان أكثر تطوراً من نبلاء القرن السابق للعهد الفيكتوري في مناح كثيرة من جوانب الحياة المادية.
إن قرنين من التقدم المادي في دول عديدة تناوبت عليها حكومات وثقافات متناقضة بصورة حادة، وخلال دورات اقتصادية لا تحصى، قد طبعا في أذهان العامة صورة لمستوى معيشة يزداد ارتقاء باعتباره إحدى الحقائق القليلة الراسخة. فالمداخيل المتزايدة، والمساكن المتسعة، والسلع التي تزداد تنوعاً وتطوراً، والحصول على ذلك كله بجهد أقل هي سمة الواقع الراهن، حيث تعتبر مقياساً للأداء الاقتصادي الفعلي.