د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
يعتبر الذهب أصلاً استراتيجياً، حيث يشكل الذهب المستخرج حتى اليوم نحو 220 ألف طن، يمثل حوالي 3 % فقط من إجمالي الأصول المالية العالمية، فيما تقدر احتياطيات الذهب المتبقية تحت الأرض بحوالي 133 ألف طن، بقيمة تقارب 17.7 تريليون دولار، مما يعزز دوره كملاذ آمن، وكأصل احتياطي، ما أثار موجة من المضاربات، أتت هذه التحركات الحادة على خلفية فرض الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على واردات الولايات المتحدة من سبائك الذهب والتي تستخدم لتسوية غالبية العقود المتداولة في نيويورك.
تشير تقديرات عام 2025/2026 إلى أن القيمة الإجمالية للذهب المستخرج حتى الآن تبلغ حوالي 31 تريليون دولار، تتوزع تلك الأصول بين المجوهرات تمثل النسبة الأكبر 44 % بقيمة 14 تريليون دولار، والسبائك والعملات تمثل حوالي 21 % بقيمة 7 تريليونات دولار، واحتياطيات البنوك المركزية تحتفظ بما نسبته 18 % بقيمة 5 تريليونات دولار.
لطالما كان الذهب مصدراً للجدل والخلاف بين الاقتصاديين والمستثمرين، اعتبره ماينارد كينز أنه بقايا بربرية من الماضي، كذلك المستثمر في الأصول ذات القيمة وارن بافيت اعتبر الذهب أداة مدفوعة بالخوف والمضاربة ولا تستند إلى أي أسس واضحة أو ملف عائد يمكن التنبؤ به، رغم ذلك ظل الجميع يكنزون الذهب، وكان بمثابة مستودع ثابت للقيمة، فهو يحمي المحافظ من الإضرابات الاقتصادية والمخاطر، وبشكل خاص تتجه البنوك المركزية حول العالم على مراكمة احتياطيات الذهب بوتيرة تاريخية بمعدل لم نشهده منذ عام 1967 عندما كان النظام النقدي لا يزال يعتمد على الذهب، بسبب التوترات الجيوسياسية، ويعاني العالم من مزيج من انخفاض النمو وتزايد الديون وارتفاع التضخم، جعلت تدفقات المستثمرين ترفع القيمة السوقية للذهب إلى أكثر من 33.8 تريليون دولار أي ارتفعت قيمة الذهب ما يقارب 7 تريليونات في غضون أقل من سنة.
ارتفع سعر الذهب من 500 دولار للأونصة عام 2005 بنسبة 163 % عام 2011، ثم انخفض وارتفع 41 % عام 2020، وصل إلى 2062 دولار للأونصة في 2023، وتتوقع شركة جي بي مورغان للأبحاث العالمية أن يبلغ متوسط الأسعار 5055 دولاراً للأونصة بحلول الربع الأخير من عام 2026، مرتفعاً من 4566 للأونصة في مايو 2026، وبالنسبة إلى المعادن النفيسة الأخرى بلغت أسعار الفضة 73.53 دولار للأوقية، وصعد البلاتين إلى 1984 دولاراً، وزاد البلاديوم إلى 1515 دولاراً.
تصدرت الولايات المتحدة قائمة أكبر الدول حيازة للذهب باحتياطي بلغ 8133 طن يشكل 77.6 % من إجمالي احتياطاتها، تليها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا بنفس نسبة الاحتياطيات، فيما أتت روسيا باحتياطيات 2330 طن بنسبة من إجمالي الاحتياطيات بـ35.8 % وإجمالي احتياطيات الصين 2292 طن بنسبة منخفضة من إجمالي احتياطاتها نحو 6.5 % ، تصدرت السعودية الدول العربية باحتياطيات 323 طناً، تليها لبنان بـ286.8 طن، فالجزائر 173.6 طن، فليبيا 146.7 طن بنهاية يناير 2026.
ارتفاع الذهب بأكثر من 70 % في عام 2025 نتيجة التوترات الجيوسياسية، وغير ذلك من العوامل، ارتفاع أسعار الذهب استثنائي لم يكن موجة مضاربية، بل نتاج تحول هيكلي أعاده مخزناً رئيسياً للقيمة، نتيجة فقدان الثقة في العملات الكبرى، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والعجز المالي، وزيادة مشتريات البنوك المركزية، وكان للتعرفة الجمركية التي فرضها ترمب على أغلب الشركاء التجاريين للولايات المتحدة أثر سلبي على الدولار الأمريكي، استفاد منه الذهب، نظراً للعلاقة العكسية بين الدولار والذهب، خصوصاً أن هناك توقعات بخفض الفائدة على مدار 2026 مما يعمل لصالح الذهب، وكلما زاد الطلب على الذهب انخفض الدولار.
يرجع الارتفاع الكبير للذهب في 2024 و 2025 إلى تحول استراتيجي واضح في اتجاه البنوك المركزية التي اتجهت إلى شراء كميات ضخمة من الذهب، ومن بين أهم هذه الدول روسيا وتركيا والهند وعدد كبير من الدول، المحفز الأهم لهذا التحول في هذه المشتريات جاء عقب قيام الإدارة الأميركية في عهد ترمب بفرض عقوبات مالية كبيرة على روسيا.
يلجأ عادة المدخرون إلى الذهب للحفاظ على قيمة أموالهم والتحوط ضد التضخم، لكن الارتفاعات الهائلة في الذهب دفعت الكثيرين من المستثمرين من بينهم صناديق الاستثمار المتداولة إلى الاستثمار في الذهب استغلالاً للعائدات التي بدأ يحققها على مدار العامين الماضيين، ما يعني أن الذهب تحول إلى أحد أهم الأصول.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً