د.عبدالله بن موسى الطاير
أتابع الشأن الأمريكي منذ زمن طويل، والانقسام الحزبي ليس جديداً في الديموقراطية الأمريكية، فثنائية الجمهوري مقابل الديموقراطي يكسر حدتها المستقلون عن الحزبين، والمترددون فيهما. إلا أن الانقسام الحالي لم يعد خلافا عابرا، يستطيع عقلاء المشرعين من الحزبين تجاوزه في المجلسين، وإنما بلغ شأوا غير مسبوق في حدته وشعبيته. ومع الاقتراب من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026م، لم يعد السؤال يتداول في سياقه المعتاد: من سيفوز؟ بل أصبح أكثر قلقا ليكون: هل تستطيع أمريكا أن تعلن نتيجة يرحب بها الخاسر ويبادر بتهنئة الفائز؟
تبدو أمريكا حاليا، لمن يعرفونها، وكأنها بلد يسكنه شعبان، يتقاسمان الجغرافيا ذاتها، لكنهما لا يتقاسمان الواقع نفسه، فلكل طرف أخباره، وحقائقه، ومظالمه، وتصوره الخاص لما ينبغي أن تكون عليه أمريكا. الانقسام الذي كان لعقود طويلة موضوعا للدراسات الأكاديمية والتحليلات الصحفية، تحول اليوم إلى أزمة حكم لم تستطع حرب التعرفات الجمركية، وضبط الحدود، وحملات ملاحقة مخالفي الإقامة، وملفات أبيستين والحرب على إيران إخفاءها.
هذا النظام المأزوم سيكون تحت وطأة اختبار قاس في نوفمبر، فالأمريكيون سيصوّتون على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435، وعلى 33 مقعداً في مجلس الشيوخ، إلى جانب عدد من مناصب حكام الولايات. تفاصيل النظام الانتخابي الأمريكي ليست مهمة للمتابع من خارج أمريكا، بقدر أهمية المزاج العام، وهذا المزاج متوتر إلى حد يجعل من التنبؤ بما بعد إعلان النتائج مهمة شاقة.
الانقسام الحالي يمثل نتيجة تحولات بنيوية تراكمت على مدى عقود طويلة، حيث اختار الأمريكيون، أن يعيشوا بين من يشبهونهم سياسياً وثقافيان فكانت هناك ولايات حمراء وأخرى زرقاء وبينهما ولايات متأرجحة لما تحسم لونها بعد. يتجمع المحافظون أكثر في الضواحي والمناطق الريفية، بينما يزداد حضور الليبراليين في المدن الكبرى، لتأتي إعادة رسم الدوائر الانتخابية فتعمّق هذا الفرز الحزبي والثقافي. فحين تصبح المقاعد شبه مضمونة لهذا الحزب أو ذاك، لا يعود الخطر الأكبر على السياسي من خصمه في الحزب الآخر، بل من منافس أكثر تشددا، ودعما داخل الحزب نفسه.
لقد تغيرت السياسة نفسها في حياة الأمريكيين، فلم تعد الانتماءات الحزبية مجرد موقف من الضرائب أو الهجرة أو الإنفاق العام، بل أصبحت جزءا من الهوية الشخصية؛ من أنا، ومن هم خصومي، وأي نوع من البلاد أريد أن أعيش فيه، إنها معادلة «نحن وهم» داخل دولة واحدة. لهذا السبب لا يعتبر كثيرون أن أنصار الحزب الآخر مجرد ناخبين مخطئين في قناعاتهم الحزبية، بل يرونهم خطرا على أمريكا التي يريدونها، بمعنى أكثر وضوحا يعتبرونهم «أعداء». وحين يصبح المواطن الخصم تهديدا وجوديا، تتحول الانتخابات من منافسة قابلة للهزيمة إلى معركة لا تقبل الخسارة.
ستدخل انتخابات 2026م هذا المناخ المشحون، بفرضية أن التاريخ يميل عادة ضد حزب الرئيس في انتخابات التجديد النصفي، وأن الناخبين يستخدمون هذه الانتخابات لمعاقبة الإدارة التنفيذية القائمة أو تقييدها، ولكن قواعد اللعبة لم تعد تعمل بالسهولة نفسها. لقد غيّر التصويت المبكر طريقة إدارة الحملات، وفتّتت شبكات التواصل الاجتماعي المجال العام، وأصبحت قواعد إدارة الانتخابات موضوعا للصراع في عدد من الولايات المتأرجحة. ولم تعد المشكلة في معرفة أين يتجه الرأي العام فقط، بل فيما إذا كان الطرف الخاسر سيقبل بالطريقة التي يتم بها قياس هذا الرأي.
على صعيد القضايا، لا تبدو الانقسامات أقل حدة؛ فالاقتصاد يضغط على الجميع بأسعار مساكن مرتفعة، وتضخم لم ينحسر كثيرا، وأجور لا تتحرك بالسرعة الكافية لطبقة العمال، وزاد على ذلك ارتفاع أسعار الوقود. هذا النوع من القلق يفترض أنه يتحول في صناديق الانتخابات إلى عقاب لشاغلي المناصب، أيا كان حزبهم، لكن الأجواء المشحونة بالشعبوية لم تعد تسمح بالنتائج المنطقية.
أظن أن السؤال الأكبر لن يكون من سيحصل على الأغلبية؟ بل، كيف سيتصرف الخاسرون؟ هل سيعترفون بالنتيجة، أم يطعنون في شرعيتها قبل أن يجف حبر الأصوات؟ ولنا في الانتخابات الرئاسية عام 2020م مثال حي لجواب السؤال. أمريكا لا تعاني فقط من انقسام في الرأي؛ الديمقراطيات كلها معتادة على هذا النوع من الخلاف، وإنما المشكل هو تراجع الثقة في المشتركات التي تدير الخلافات الحزبية. وحين يعتقد الناخبون بأن الانتخابات شرعية فقط عندما يفوز جزبهم، يصبح النظام كله عرضة للتضعضع، حتى لو بقيت مؤسساته قائمة.
المأزق ليس أمريكا فحسب، فالولايات المتحدة، رغم اضطرابها، لا تزال أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر قوة عسكرية، وفاعلا لا غنى عنه في نظام دولي يواجه ضغوطا وتحديات مصيرية. ولذا فإن كونغرس مشلول بصراعاته الداخلية، أو انتخابات تحيط بها الشكوك بدل الاعتراف، لن يربك واشنطن وحدها، بل عواصم العالم جميعا كل وفق أجندته. لهذا لا تبدو انتخابات التجديد النصفي لعام 2026م مجرد محطة انتخابية عابرة، وإنما اختبار لقدرة النظام على إدارة انقسامه من دون أن يتحول إلى قطيعة كاملة.