رمضان جريدي العنزي
ديننا الإسلامي لا يقوم على الكذب والغش والزيف والخداع، بل جاء ليهدم هذه الأخلاق الدنيئة من جذورها، ويمقت النفاق والرياء والتلون، ويجعل الصدق أمانة، والوفاء خُلُقاً، والإخلاص عبادة، فلا قيمة لعبادةٍ يفسدها الرياء، ولا لقولٍ يلطخه الكذب، ولا لإنسانٍ يلبس لكل موقف وجهاً مختلفاً، الإسلام علّمنا أن الوفاء بالعهد شرف، وحفظ الوعد مروءة، وأن المنافق يعيش بين الناس بلسانين ووجهين، يخدع هذا ويرضي ذاك، بينما المؤمن واضحٌ صادق، لا يتلوّن حسب المصلحة ولا يبيع مبادئه لأجل السمعة أو المكاسب، وما أفسد المجتمعات إلا كثرة المتصنعين، الذين يرفعون شعارات الفضيلة بألسنتهم، ثم يهدمونها بأفعالهم، فإذا حضر الصدق غابوا، وإذا حضرت المصالح نافقوا وتزلفوا وطبلوا وزادوا بالهياط.
ديننا الإسلامي علّمنا أن الوعد عهد، وأن خيانة الكلمة سقوطٌ في المروءة، وأن المؤمن ثابتٌ واضحٌ لا يتلوّن مع المصالح، ولا يبيع ضميره لأجل منفعة، ولا ينافق طلباً لمدحٍ أو قربٍ أو شهرة، أما المنافق فهو أخطر على المجتمعات من العدو الظاهر، يتظاهر بالنبل أمام الناس، فإذا خلا بمصالحه كشف وجهه الحقيقي، يصفق للقوي طمعاً، ويتملق للغني نفاقاً، ويطبل حيث تكون المنفعة، فإذا حضر الصدق اختفى، وإذا حضرت المبادئ تراجع، وإذا فُتحت أبواب المصالح فهو أول الراكضين إليها، وما أفسد كثيراً من المجالس والعلاقات إلا هؤلاء المتصنعون المتملقون، الذين أتقنوا فن الكلام، وفشلوا في شرف الموقف، وصدق الفعل والعمل، يتقنون الملامة إذا أخطأ غيرهم، ويتعامون عن عيوب أنفسهم، ويتشدقون بالشرف والمبادئ وهم أول من يفرط فيها عند أول مصلحة، حولوا البياض إلى رماد، واغتالوا المعاني الجميلة بالتزلف، فلا كلمة حق عندهم، ولا موقف إنساني ظاهر وبائن، وجوه تتبدل، وألسنة تتلون، وضمائر تباع بثمن بخس، هم أخطر على العلاقات من العداوة الصريحة، لأن العدو يعرف، أما المتملق المتلون فلبس قناع الوفاء حتى يفسد القلوب، ويهدم الثقة ويزرع الريبة بين الناس، إذا حضروا حضرت الأقنعة، وغابت العفوية، وإذا تكلموا أكثروا المديح الكاذب حتى يختنق الصدق، وتختفي الحقيقة، فلا هم ناصحون بإخلاص، ولا ساكتون بأدب، بل يقتاتون على تزوير المشاعر، وتلميع الأشخاص، وصناعة الأوهام، يجيدون لوم الناس، على الهفوات الصغيرة، لكنهم لا يرون قصورهم الواضح للصدق والمروءة والوفاء، يتحدثون عن القيم كما يتحدث التاجر عن بضاعته، لا إيمان بها، بل بحث عن مكسب أو مكانة أو تصفيق عابر، وما أشد ضررهم على القلوب، يلونون الحقائق، ويحولون العلاقات إلى مسارح مجاملة خاوية لا روح فيها ولا صدق، هم سبب كثير من النفور، وانكسار الخواطر، وفساد الثقة بين الناس، لأنهم جعلوا الصدق سذاجة، والوضوح وقاحة، والنفاق لباقة، حتى أصبحت المبادئ عندهم غائبة، وصاحب المبدأ موضوع استغراب في زمن كثر فيه التصنع، وقلت فيه النفوس النقية.