خالد محمد الدوس
في عالم متغير باتت فيه الشاشات الصغيرة نافذتنا الأولى على العلاقات والمشورة، يظهر وباء خفي يهدد أحد أقدس كيانات المجتمع: الأسرة. إنه (التخبيب الإلكتروني)، قضية خطيرة انتقلت من الهمس في الأذن إلى التعليق على المنشور، مُستخدمةً منصات التواصل الاجتماعي سلاحاً لإثارة الفتن وتفريق الزوجين تحت مسميات برّاقة مثل «النصيحة» و»التمكين» و»الدفاع عن الحقوق»!!.
يُعرف التخبيب الإلكتروني بأنه «التدخل السلبي» عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الإلكترونية، بهدف تحريض أحد الزوجين ضد الآخر وإفساد العلاقة بينهما. وقد حذر علماء ومختصون من أن هذه الظاهرة تحولت إلى «قنبلة موقوتة تهدم بيوتنا»..!! وربما شكل سبباً من أسباب ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمع؛ لأنه يسهم في تأجيج الصراع المنزلي ويعزز من ثقافة (الانتقام) وبث الكراهية بدلاً من التفاوض والحوار الحضاري داخل البناء الأسري.
وبالطبع تتم هذه الممارسة غالباً تحت ستار النصيحة والمشورة، حيث يقدم أشخاص - أحياناً يمتلكون تأثيراً واسعاً كمشاهير السوشيال ميديا - آراء تحريضية تضعف الثقة وتضخم الخلافات البسيطة!!.
تأخذ هذه القضية المعاصرة المدمرة أشكالاً متعددة، أبرزها:
- التحريض المباشر.. عبر نشر منشورات عامة أو خاصة تحمل عناوين مثل «إذا فعل زوجك كذا فافعلي كذا»، أو تقديم نصائح متطرفة لحل الخلافات، كاللجوء الفوري للطلاق أو التمرد!.
- بث الشكوك.. وذلك عبر استغلال قصص شخصية أو افتراضية لإقناع أحد الطرفين بأن سلوك شريكه هو دليل على عدم الحب أو الخيانة، مما يؤدي إلى «زعزعة الثقة» وخلق فجوة عاطفية.
- المقارنات المضللة.. أي عرض نماذج مثالية وخيالية للحياة الزوجية أو العلاقات، مما يشعر المتلقي بالنقص وعدم الرضا عن حياته الواقعية!.
طبعاً هناك عدة عوامل تجعل خطاب «المخببين» الإلكترونيين مؤثراً وعامل هدم للبيوت ومنها على سبيل الاستدلال.. الهشاشة العاطفية...عندما يمر الفرد بخلاف أو ضعف في علاقته، يبحث عن دعم خارجي، وقد يجد في هذه النصائح السريعة والمتطرفة إجابة لمشاعره المضطربة. وكذلك تأثير الهالة الاجتماعية .. طبعا تخلق الشهرة الواسعة لبعض المؤثرين انطباعاً زائفاً بأن آراءهم هي الصحيحة والأكثر مواكبة للعصر، حتى لو كانت هدامة..! لاسيما عندما يشعر البعض أن نصائح المشاهير أكثر» عصرية» ومواكبة للحداثة.. وكذا الاستقطاب العاطفي.. إذ يقوم المحتوى التحريضي بتضخيم المشاعر السلبية .. كالغضب والشك، والريبة.. مما يعطل قدرة الفرد على التفكير العقلاني ويفصله عن سياق العلاقة الكلي!.
المواجهة لا تعني المنع أو التكميم، بل بناء مناعة رقمية ووعي نقدي.. فعلى مستوى الفرد والأسرة لابد من إشاعة ثقافة الحوار الأسري بينهم، لابد من تشجيع ثقافة الحوار المفتوح والصادق بين الزوجين لحل الخلافات داخلياً والنزاعات العائلية قبل البحث عن آراء خارجية ربما تهدم الكيان الأسري..!! أيضاً لابد من التوعية النقدية الصحية .. وهذا الأمر يتوقف على تطوير قدرة أفراد الأسرة، وخاصة الشباب والفتيات، على التفكير النقدي السليم تجاه المحتوى الرقمي، والسؤال عن دوافع الناصح وخبرته الحقيقية وخلفيته العلمية والمعرفية.
بالإضافة إلى «حماية الخصوصية» داخل المناخ الأسري.. والحفاظ عليها في الحياة الزوجية وعدم نشر تفاصيلها ومشاكلها على الملأ، وبالطبع لا يخلو بيت من المشاكل والخلافات هذه طبيعة بشرية ولكن العقلاء من يحتوون هذه المشاكل ومعالجتها بهدوء ووعي وحكمة دون تدخل خارجي. ولذلك من الأهمية بمكان دعم المحتوى الإيجابي من المؤسسات الإعلامية والثقافية.. والعمل على تشجيع وإنتاج محتوى إعلامي ورقمي هادف يعزز قيم الأسرة ويقدم نماذج واقعية وناجحة للتعايش وحل النزاعات، إلى جانب تعزيز دور التربية من المؤسسات التعليمية .. مثل إدخال مفاهيم «الذكاء العاطفي» ومهارات التواصل وحل المشكلات في المناهج التربوية والبرامج الأسرية. وكذا التوازن في خطاب «التمكين».. أي تقديم خطاب تمكين متوازن للمرأة والرجل، لا يدفع نحو الصراع، بل نحو الشراكة والمسؤولية المشتركة داخل الأسرة. ولكن الإشكالية هنا عندما يستخدم التمكين في بعض الحالات كشعار مضلل..!! ويصبح بالتالي وسيلة للهروب من الحوار والتسوية في العلاقات الزوجية.. ويفصل عن المسؤوليات والواجبات المترتبة عليه.. وربما يستخدم لترويج (الأنانية) تحت شعار « حقوقي» أولاً!.
ولذلك مواجهة هذه الآفة المجتمعية الرقمية تحتاج لاستراتيجية متكاملة تربوية وإعلامية واجتماعية ودينية وثقافية ترّكز على بناء «المناعة النقدية» وتقديم البدائل الإيجابية، مع الحفاظ على التوازن بين حرية التعبير وحماية النسيج الاجتماعي والأسري.