أ.د.عثمان بن صالح العامر
في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات، وتتنوع فيه المحن، وتتلون فيه الفتن، وتتعدد فيه العداوات، وتختلف أوجه المواجهات، تبقى بعض التجارب العالمية شاهدة على قوة العلاقة بين القيادة والشعب، ومن أبرزها على الإطلاق، وأكثرها فاعلية، وأعظمها أثراً (النموذج السعودي) الذي أثبت عبر التاريخ أن الثقة المتبادلة ليست مجرد شعارات، بل رصيد متراكم من المواقف والإنجازات التي تسطر بمداد من ذهب.
لقد كان هذا التلاحم وما زال وسيبقى -بإذن الله- عاملاً حاسماً في قوة الدولة واستقرارها، رغم التحديات المختلفة، والأزمات المتتالية، والكيد والمكر الظاهر منه والباطن، والتدليس والتشوية لرموزنا الوطنية من أجل زعزعة الثقة بهم، وهز المنزلة العالية المستقرة في نفوسنا لهم. ولا عجب فهي علاقة تتجاوز إطار «الحاكم والمحكوم»، لتصبح علاقة مصير مشترك، ومسيرة وطنية واحدة، والتي أكد عليها سمو سيدي ولي العهد مهندس الرؤية 2030 بمناسبة صدور التقرير السنوي العاشر للرؤية، السبت الماضي، حيث قال ما نصه: (بعد مرور عقد من التنمية الشاملة في ظل رؤية المملكة 2030 قدمت بلادنا خلالها نموذجاً استثنائياً في تحويل الرؤى إلى واقع، بإرادة أبناء وبنات هذا الوطن، ومؤسساته الفاعلة.
وإن ما حققناه من إنجاز في الأعوام الماضية يضعنا أمام مسؤولية كبرى لمضاعفة جهودنا، وتكثيف خططنا وأدواتنا بما يعزز المكتسبات ويضمن استدامة الأثر، واضعين نصب أعيننا المزيد من الرفعة لهذا الوطن وشعبه). هذه العلاقة التفاعلية خلقت نموذجًا فريداً من التكاتف الوطني، جعل من الثقة ركيزة للاستقرار ومن ثم تحقيق التنمية المستدامة في جميع مناطق الوطن وفي كل المجالات على ضوء رؤية المملكة 2030، وفي ظل رعاية ومتابعة ودعم مادي ومعنوي من لدن مقام قيادتنا الحكيمة.
ومن نافلة القول هنا أن هذا التلاحم لم يأت من فراغ، بل من قرب القيادة الفعلي من الشعب بجميع أطيافه وبكل طبقاته، ومشاركتها لهمومه وتطلعاته، وهو ما عزّز شعور الانتماء والولاء، وجعل الشعب شريكاً حقيقياً في مسيرة الوطن.
وفي ظل التوترات الإقليمية والدولية، جراء الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الصهيوني من جهة ثانية، برزت المملكة العربية السعودية كصوتٍ للعقل والحكمة، تسعى إلى التهدئة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، بعيدًا عن الانجرار إلى التصعيد. هذا النهج يعكس رؤية قيادة حكيمة، ذات نفس طويل، تدرك تعقيدات المشهد الدولي، وتتعامل معه بحذر ومسؤولية، واضعةً في الاعتبار استقرار المنطقة وأمنها، ومصلحة الوطن والمواطن أول أولوياتها، وقد عزز ذلك من ثقة الشعب في قدرة قيادته على إدارة الملفات الحساسة بكفاءة، خاصة في أوقات الاضطرابات وحين تحل الأزمات وتكشر عن أنيابها.
إن الشواهد والبراهين تدلل بكل وضوح على أن الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب ليست مجرد قيمة معنوية، بل هي صمام أمان يحفظ استقرار الدول، ويمنحها القدرة على تجاوز الأزمات، وهذا عنصر قوة حقيقي، مكّن وطننا العزيز من مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والدينية الفكرية، ومن ثم الانطلاق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
لقد أدرك الشعب السعودي، عبر تجارب متكررة، أن قيادتهم تمضي بهم بثبات نحو تحقيق التنمية المستدامة وحماية الوطن، ولذلك كان التفافهم حولها طبيعياً وعفوياً، لا يُفرض ولا يُملى، بل ينبع من قناعة راسخة، مرجعيتها شرعية توجب طاعة ولي الأمر، وجذورها تاريخيها أخذها الآباء عن الأجداد وورثها الأبناء عن الآباء.
إن الثقة بين الشعب السعودي وقيادته قصة نجاح تستحق التأمل؛ قصة تثبت أن الدول لا تُبنى فقط بالموارد، بل بالثقة، ولا تُحمى فقط بالقوة، بل بالتلاحم. وما بين قيادة حكيمة وشعبٍ وفي، تستمر هذه المسيرة، مستندةً إلى تاريخ من المواقف، وحاضر من الإنجازات، ومستقبل يُكتب بثقة لا تهتز، ولله الحمد من قبل ومن بعد، حفظ الله لنا ولاة أمرنا، وأدام عزنا، ووقانا شر من به شر، وإلى لقاء، والسلام.