د.عبدالله بن موسى الطاير
يقول المثل الدارج نصف الحرب هيلمة، والحرب النفسية في الحروب المعاصرة تلعب دوراً كبيراً في النصر أو الخسارة، لكن هل الهيلمة وقت التفاوض تضطلع بالدور ذاته الذي تؤديه عندما يكون أوار الحرب مستعراً؟ تخيل أن فريق التفاوض، الذي يحتاج أقصى درجات الهدوء، يقع تحت تأثير ثلاثة ميكرفونات مسلطة عليه على مدار الساعة بمعلومات ومواقف، وتضارب مصالح، وحدة خطاب، واحتقان، لدرجة تفقده التركيز. هل يمكن أن ينتج المفاوض في هكذا بيئة إطاراً للتفاوض ناهيك عن بنود اتفاقية قابلة للاستدامة والتحقق؟
بعد مرور شهرين على حرب يتوقع الخبراء أن تتجاوز تكلفتها الإجمالية تريليون دولار، ناهيك عن القتل والدمار الذي خلفته، مع ارتفاع سعر النفط الخام، وأهم مضيق حيوي للتجارة والاقتصاد العالمي مغلق بشكل مزدوج، فإن أبرز ما يلفت الانتباه هو غياب العمل الدبلوماسي الحقيقي في وقت التفاوض. إنهم يتفاوضون أو يتناوشون بالتصريحات، ويخسرون السلام على مائدة التفاوض.
إنها عملية تفاوض غريبة، فأداة التواصل ونقل المواقف لم تعد برقيات من وزارات الخارجية، أو خطابات محبرة بعناية من مركز صناعة القرار، بل في الجانب الأمريكي حساب الرئيس على منصته الخاصة تروث سوشيال. رسائل مفخخة بعبارات الاستسلام غير المشروط، واتفاق جيد يلوح في الأفق، وطرف مقابل منقسم لا يتفق على تمثيل الدولة، والحصار أقوى من العمليات العسكرية، وغداً يغادر الوفد، والوفد لم يغادر، والطرف الآخر على وشك الاستسلام، والطرف الآخر يتلاعب، كل هذا ولا زال التلويح بموت حضارة، وبتدمير محطات الطاقة والبنية التحتية، قائما، وغير ذلك من منظومة التصريحات التي تبدو غاية في حد ذاتها.. لا يمكن لعملية التفاوض أن تصمد عندما يكون من بيدهم القرار هم أكبر المخربين لها.
الأسلوب الإسرائيلي أكثر فتكا بعملية التفاوض، فرئيس وزراء إسرائيل يوظف التصعيد التدريجي؛ فكل خطوة نحو السلام تقترن بتذكير بأن الحرب قد تستأنف غداً، وأن أحداثاً جديدة قد تقع في أي لحظة، متسائلاً عمّن يعلم ما يخبئه الغد؟ وأعضاء حكومته يصرحون أنّ إسرائيل تنتظر الضوء الأخضر لاستئناف الحرب ضد إيران. ربما هناك منطق إستراتيجي وراء ذلك، وهو إبقاء إيران مقتنعة بأنّ أي اتفاق يجب أن يصمد، وإلاّ سيحدث ما هو أسوأ، لكنّ الثمن هو عملية التفاوض نفسها، فالمبعوث لم يعد منشغلاً بالتفاوض وإنما برسائل الأطراف المتناقضة.
الطرف الإيراني ليس بأحسن حال، فرسائله متذبذبة أيضاً، ففي الوقت الذي يصل فيه وزير الخارجية الإيراني إلى إسلام آباد، يصر متحدث خارجيته على عدم وجود خطط للاجتماع مع المفاوضين الأمريكيين. وتصدّر طهران للمفاوضين روايتين متناقضتين في آن واحد؛ الأولى أنها انتصرت، بعد أن أجبرت واشنطن على التفاوض على خطتها، والثانية أن واشنطن ليست جادة بما يكفي للتفاوض معها. هذا ليس غموضاً إستراتيجياً، بل هو تناقض مؤسسي، ويعكس واقعاً مربكاً وربما صراعاً مستتراً داخل أروقة النظام.
ما يجمع بين إستراتيجيات التواصل الثلاث هو أنها مُصممة للجمهور المحلي، بينما يسخر منها الجمهور الدولي. الرئيس ترامب منشغل بقاعدته الشعبية وبالانتخابات النصفية، ونتنياهو يخاطب ائتلافه وانتخابات وشيكة تحدد مصيره السياسي، وإيران تخاطب أتباع النظام والوكلاء. لا أحد من المفاوضين يتحدث إلى الطرف الآخر برواية متماسكة يمكن أن تضع أجندة للحوار قبل التفاهم. مفاوضون لا توجد بينهم من جانب، وبينهم وبين الوسيط لغة مشتركة وإنما ثلاث منصات مُوجّهة إلى ثلاث غرف مُختلفة، كل واحدة منها «تردح» بما يشوش منطق وتفكير المفاوض.
يصعب إخضاع هذا العصر لشروط ما قبل شبكات التواصل الاجتماعي، فالفضاء هذه الأيام منفلت، ومع ذلك فمن المقبول أن نستمع إلى تسريبات من هنا وهناك تثير التساؤلات حول مصير المفاوضات، مع صمت يصنع الفرق ممن بيدهم القرار. هذه المقاربة يمكن أن تذكرنا بتفاوض روسيا البلشفية مع ألمانيا خلف أبواب موصدة فيما عرف باسم معاهدة بريست-ليتوفسك 1918م والتي تنازلت بموجبها موسكو عن أوكرانيا ودول البلطيق وأجزاء من بيلاروسيا، وأنهت دورها في الحرب العالمية الأولى. أو مؤتمر يالطا 1945م بين روزفلت وتشرشل وستالين، الذي عقد خلف أبواب موصدة، ورسم نظام ما بعد الحرب الثانية، وحدود أوروبا الشرقية، ومناطق النفوذ، وشكل الأمم المتحدة. أو مفاوضات أزمة الصواريخ الكوبية 1962م حيث توصل كنيدي والسفير السوفيتي، إضافة إلى قناة موازية عبر الصحفي جون سكالي، إلى صفقة سرّية أدت إلى انسحاب الصواريخ السوفيتية من كوبا مقابل تفكيك الصواريخ الأمريكية في تركيا؛ جرى التفاوض في سرية تامة، وجنّب العالم حربا نووية بفارق ساعات فقط، ولم تُعرف تفاصيله لعقود.
ما يريده العالم في هذه الأيام هو صمت من بيدهم القرار لإتاحة فرصة حقيقة للمفاوضين ليستمعوا إلى بعضهم البعض، وللوسيط أن يعمل بكامل طاقته لردم الفجوات وليس استنفاذ جهده في اعتراض الرسائل الخطابية المدمرة.