د. محمد عبدالله الخازم
صديقي يحسن الظن في قدراتي فيسألني: لماذا لا نراك في منصب قيادي أعلى مما وصلت إليه؟ أكرر عليه قناعاتي؛ المناصب والأرزاق حظوظ، حصلت على نصيبي الوافر منها ولعل فاعليتي أفضل في إبداء الرأي المستقل، وما أنشده هو مساحة للتعبير لا المناصب. الآن، وبعد انتهاء علاقتي بالوظيفة، سأبوح لكم ببعض الحكاية التي تشيء ببعض سلوكيات الإدارة المحلية ذات العلاقة بموضوعنا. مع التأكيد، هذا رأي وليس دراسة علمية..
أولاً: من أهم المعايير غير المكتوبة لدينا «الصوت». نعم، صوتك: نبرته، لهجته، علوّه، وحتى «تفزلكه» أو عجمته... كلها عناصر مؤثرة. نحن مجتمع شفاهي في المقام الأول -حتى داخل مؤسساتنا التعليمية- نسمع ونقيّم الآخر عبر حضوره الصوتي في المجلس أو الاجتماع أو المناسبة، بينما يأتي تقييم الأفكار في مرتبة أدنى. «من لا يبرع في حيل الكلام يقع في شَرك»!
المفكر الذي يغوص في الأسئلة، خفيض الصوت وطبعه الهدوء ولا يزاحم في لجة المجالس، يعتقد – ربما بشكل غير دقيق - أن الناس تقرأ وتهتم بالأسئلة والفكر والرأي...
ثانياً: الحساسية. مع ملاحظة أن العوامل تتداخل، الأمر يتطلب قدرًا من التنازل عن الحساسية (الخجل) الخشية على هدر الكرامة. غالبًا ما تتسبب حساسية الإنسان في عدم مبادرته أو حضوره أو منافسته في طلب ما يريده. «من لا يَطلُب لا يُطلَب»!
ثالثاً: قاعدة أخرى تتمثل في وجود طرف آخر يمدحك أو يزكيك أو يوصي بك. قد يُختار الشخص بناء على تميز سيرته المهنية، لكن المؤكد أن توصية/ شفاعة فلان أو علان تعزز الثقة في اختياره. وبالطبع، قوة التوصية تكمن في قرب الموصي ممن يملك القرار. يصنف الأمر في باب العلاقات؛ اجتماعية أو مهنية أو فكرية. أحيانًا، قوتها تعوض نقاط ضعف وأرقاها في الميزان عندما يتحدث عنك صاحب مقام رفيع...
رابعاً: ظاهرة التنميط، وأسوأها – بالمصطلح الشعبي – (شيطنتك) ووضعك في إطار/ برواز يلازمك أينما ذهبت. حين يصفك مسؤول بأنك مشاغب أو طيب، فإنه يضعك في قالب محدد، مع التكرار يصبح (دمغة) على الجبين. قد يتم (شيطنتك) بحسن نية أحياناً وبقصد/ تعمد شخصي أحياناً أخرى. مثلاً، كثيرون يخلطون بين استقلالية الرأي والمشاغبة، فيصفونك بالمشاغب. «جل الناس تردد ما تسمعه دون تمحيص».
خامساً: في بعض الأحيان، يكون الفوز من نصيب أولئك الذين لا يمتلكون رؤية فكرية أو قيمية واضحة، ومن الأوصاف التي تطلق على أحدهم “الإنسان المائي» أو «الزئبقي». قد يحاول الإنسان التجاوز من باب المرونة أو الضرورة، لكنه لا يستطيع عندما يمتلك قناعات ومبادئ وقيما عالية. هذا الشعور بالاغتراب المهني قد يدفع للتراجع أو الانسحاب، بحثاً عن مساحة أرحب للتعبير عن الذات، حيث يكون الصوت والأخلاق والرأي موضع تقدير واحترام. «المنصب مؤقت، بينما القيمة دائمة».
ختاماً، التقدير لمن وصلوا إلى مواقعهم الوظيفية بجدارة وكفاءة. ما سبق هو حكايات الإدارة المحلية، نتفق معها أو لا نتفق، لكنها قد تكون مفيدة لصائدي «الحجل» - كما يطلق عليهم - من المناصب الإدارية والقيادية.