د.عبدالله بن موسى الطاير
لطالما راود الناس اعتقاد بأن السياسة والحكم الرشيد تتموضعان حول الكفاءة والنتائج والإدارة، والأمن والاستقرار والعدالة والمؤسسات والبناء والرفاه الاقتصادي، أي إدارة شؤون الدولة بكفاءة، إلا أن التاريخ يُفنّد هذا الاعتقاد مرة تلو الأخرى، إذ لا ينجذب القطيع إلى القائد الذي يُشيّد ويبني دولة تدوم بعد رحيله، بل يتعلق عاطفيا بالقائد الذي يُشعره بالعظمة والنقاء والتضحية والبطولة، وبنوع من الروعة والسمو حتى في أحلك الظروف، وحتى وهم يتقلبون في خير دولة أخرى من تلك التي توفر حياة كريمة لمواطنيها والمقيمين فيها، فإن تصفيقهم ومشاعرهم تصطف لمن يطعم أسماعهم شتما لا بطونهم خبزا؛ إنها حيلة نفسية تؤتي أكلها بكفاءة.
جاذبية الخطاب الشعبوي المقاوم، تُصيّر الإهانة فخرا، والفشل تضحية، والهزيمة نصرا، والفقر والتخلف قدرا محتوما. آخر ما يفكر فيه القادة الشعبويون هو الوضع الفعلي للبلاد الذي يتراجع في الأهمية في مقابل الحالة النفسية للجماهير التي تزدهر بعد كل خطاب. قد تكون الدولة أفقر وأضعف وأكثر خوفا وانكسارا فسادا وعزلة، ولكن إذا استطاع ساستها أن يقفون على المنصات ويشتمون عدوا مكروها بقناعة مسرحية كافية، فإن الملايين سيشعرون، بطريقة ما، بالارتياح، وكأن الغضب نفسه إنجاز حققوه، مع أنهم يغادرون الشوارع منهكين، جوعى لا يجدون لقمة نظيفة يسدون بها حاجتهم، ولا وسيلة نقل كفؤة تأخذهم إلى بيوتهم، ولا طرق سالكة يعبرونها آيبون إلى مساكنهم، ولا مستشفيات قادرة على مداواة ضربات الشمس أو البرد أو الإجهاد الذي كابدوه في الشارع دعما للقائد البليغ الملهم.
السجل التاريخي وشرعية المنجز ليسا مهمين عند الرعية، فالقائد المعجزة هو من يلهب الأكف بالتصفيق والحناجر بالصراخ؛ ويمنحهم شعورا بالكرامة، والعزة ويستدعي الماضي العريق ويرسم لهم مستقبلا من الأمنيات التي لن تتحقق، ولكنها قابلة للاعتناق والبقاء. انتهت حرب الأيام الستة في يونيو 1967م بخسارة مصر لشبه جزيرة سيناء لصالح إسرائيل في أقل من أسبوع، ولم تكن مجرد انتكاسة إستراتيجية طفيفة، بل هزيمة ساحقة حطمت الحلم القومي العربي. أدرك القائد أن التنديد بأمريكا وإسرائيل بحماس شديد يحقق فائدة سياسية أكبر بكثير من أي حكم رشيد. تم استيعاب الهزيمة على أنها قصة مقاومة نبيلة، ورُفعت الأنقاض إلى مرتبة الشعر، وبقي الرئيس أضخم وأدوم من الخراب الذي خلفه.
عمل صدام حسين ومعمر القذافي على ذات المنوال. هدّما بلديهما من الداخل، وأهدرا ثرواتهما، وقوضا المؤسسات، وتركا وراءهما كيانات هشة لدرجة أنها انهارت بمجرد رحيلهما، وبقي ذكرهما خالدا موشحا بالبطولة. لم تكن معاداة أمريكا ومعاداة الصهيونية مجرد مواقف سياسية، بل وسيلة عبقرية لتشتيت الانتباه عن الهزيمة والتخلف التنموي. وكلما ارتفع صوت العداء لواشنطن أو تل أبيب، سهل تجاهل الواقع المرير للدولة.
اتخذت ولاية الفقيه هذا النهج وطورته ليصبح أكثر منهجية، وأكثر أيديولوجية، وأكثر استدامة، فمزج النظام خطابا مناهضا للإمبريالية بالتضامن الإسلامي والمقاومة ونصرة المستضعفين بطريقة استمالت الجماهير، سنة وشيعة على حد سواء. بدت ثورتهم للوهلة الأولى ذات قوة معنوية طردت شاها مدعوما من الغرب، ووقفت، ظاهريا، إلى جانب المظلومين في وجه الاستكبار العالمي. هكذا كانت الدعاية على أي حال؛ شتم الشيطان الأكبر والأصغر واليهود في خطب بليغة عبر الأثير، واستعداد بالقوة والتصنيع العسكري لا يهدأ لتدمير الجيران من عرب ومسلمين.
لم تُحرر إيران فلسطين، بل ضيعتها منذ تدخلت في شؤونها تحت عنوان المقاومة، ولم تشيد نماذج حكم فعالة يقتدى بها كما هو الحال في دول الخليج المجاورة، ولم تُسهم بأي شيء يُذكر في مجالات التنمية أو العلوم أو الازدهار السياسي، بما يتناسب مع خطابها البطولي. ما فعلته، وبشكل أكثر اتساقا، هو نشر نفوذها عبر وكلاء مسلحين، وإضعاف الدول ذات السيادة، وتعميق الانقسام الطائفي، وفرض نفسها في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء تحت دعوى المقاومة.
لتحقق الشعبية عليك ألا تفعل شيئا لشعبك، ولا تنمية لبلدك، عليك فقط أن تجيد شعارات الشتم والتنديد وادعاء الكرامة والبطولة؛ اسمع الناس ما يريدون سماعه من الشعارات، فهو أجدى وأدوم في عواطفهم من البناء والتنمية. هكذا فهمت الأنظمة الشعبوية اللعبة واستثمرتها، وليس أكثر وضوحا من نجاح هذا الاستثمار من التصفيق الحار من الشارع العربي والإسلامي لإيران رغم أنها تقصف دولا عربية وإسلامية أكثر مما تقصف به إسرائيل وأمريكا.