د. محمد عبدالله الخازم
لي مع كندا قصص حياة؛ فكلما غادرت مرحلة، أعادني الزمن إلى أخرى فيها. كانت أولى رحلاتي إلى كندا عام 1991/1992م، ضمن تدريب جامعي آنذاك. كانت مغامرة شاب قرَّر اكتشاف أرض الأحلام التي طالما سمع عنها، وحيداً، دون مساعدة من جهة رسمية أو حتى معرفة سابقة بأحد هناك. ورغم قِصر الرحلة، التي لم تتجاوز بضعة أشهر، فإنها شكَّلت مفتاحاً لمساراتي المستقبلية؛ إذ عدت إليها لاحقاً طالبَ دراسات عليا لأربع سنوات، ثم موظفًا أكاديمياً دبلوماسياً لأربع سنوات أخرى، قبل أن أعود مرات أخرى بعد ترك الوظيفة، زائراً ومرافقًا لأبنائي. سنوات متفرِّقة تجاوزت عقدًا من الزمن، شهدت خلالها تحولات كندا، محاولًا سبر تفاصيلها التنموية والإنسانية، وما يعتريها من صعود وهبوط.
عاصرتُ كذلك تطور علاقات بلدي، المملكة العربية السعودية، مع كندا، في مراحل تأرجحت بين السهولة والتعقيد، وفق مصالح ومعطيات لست بصدد الحكم عليها، بوصفي مواطناً وزائراً وموظفاً وطالباً، لا محللًا سياسياً. كنا ندخلها دون تأشيرة مسبقة، وبلغت العلاقات ذروتها خلال برنامج الابتعاث، الذي كنت أحد شهوده، حين تجاوز عدد طلابنا في كندا 15 ألف طالب. وأفخر بأن الأطباء منهم -وقد كنت مسؤولًا عن متابعتهم- تجاوز عددهم الألف طبيب.
ما يدفعني للكتابة اليوم هو هذا الحراك الدبلوماسي الملحوظ بين البلدين، بقيادة سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، وسعادة سفيرتنا في كندا الأستاذة آمال المعلمي. أكتب هذه السطور ووزيرة الخارجية الكندية، السيدة أنيتا أناند، تقضي أيامًا في الرياض، منبهرةً بما تشهده من تطور، ومؤكدةً عمق العلاقات بين البلدين. يجمع السعودية وكندا أكثر من مجرد علاقات ثنائية؛ فكلاهما عضو في مجموعة العشرين، ويتقاطعان في معطيات عدة، منها الدور في أسواق الطاقة العالمية، والتقارب في الحجم السكاني (نحو 30-35 مليون نسمة)، إلى جانب أوجه تشابه إنسانية وتنموية واقتصادية أخرى.
ومن زاوية اهتمامي بالتعليم العالي ومقارناته الدولية، سأتجاوز الفخر بجامعتي التي تخرجت منها -الحاصلة على جائزة نوبل في الفيزياء، والمصنفة ضمن أفضل 200 جامعة عالميًا، بعمر يتجاوز 185 عامًا- إلى الإشارة إلى أن منظومة التعليم العالي في كندا تُعد ضمن الأفضل عالميًا، سواء من حيث الجودة أو من حيث التنظيم والسياسات. فهي تحقق توازنًا دقيقًا بين الدعم والتدخل الحكومي، على المستويين الفدرالي والإقليمي، وبين الاستقلالية المؤسسية والحوكمة والدعم المجتمعي. وهذا نموذج يبدو أننا لم نولِه ما يستحقه من الدراسة والاستفادة، خصوصًا في جانب السياسات والتنظيم. وليس ذلك فحسب، بل بدا لي أن هناك تراجعًا في أدوار ملحقيتنا الثقافية في أوتاوا، بدليل تحولها إلى مجرد مكتب تابع لملحقية الولايات المتحدة، بعد إرثٍ امتد لخمسة عقود من العمل المتواصل. إننا لا نخسر مقاعد طلابية في الجامعات الكندية فحسب، بل نفقد تموضعًا ثقافيًا أراه جديرًا بالتعزيز، بوصفه جزءًا من قوتنا الناعمة في مجتمع متنوع ومنفتح ومتعطش للتعرّف على الثقافات المختلفة. ولعل من المأمول أن تتبنى وزارة الثقافة، بالتعاون مع مركز الملك سلمان للغة العربية، مشروعًا يُعنى بهذا الشأن.
ختاماً، تحقق علاقاتنا مع كندا مكاسب اقتصادية وتعليمية وثقافية وسياسية، تتجاوز إطار العلاقة الثنائية إلى تأثير مشترك في محيط دولي أوسع. أرحب بوزيرة الخارجية الكندية في الرياض -وإن جاء الترحيب متأخرًا- وأجدد تقديري لجهود بلادنا الدبلوماسية في تعزيز علاقاتها مع القوى الدولية الفاعلة والمؤثِّرة.