د. ناهد باشطح
فاصلة:
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
(155-157) سورة البقرة
يقول لك الناس وأنت تحت أنقاض صدمة الفقد، حبيبك ذهب لمكان أفضل، أو ارتاح من معاناة المرض، ويقولون لك وأنت تحت صدمة إصابتك بمرض خطير، ستحصل على الأجر والثواب فاصبر، وعبارات كثيرة تحمل ذات المعنى يحاولون بها تخفيف أحزانك، وهي جمل وإن كانت صحيحة إلا أن قلبك المنفطر ألماً لا يدرك حينها المعاني العميقة للتسليم المطلق لله.
الفقد والمرض وخسارة المال وكافة المصائب هي ابتلاء، ونحن نعرف ذلك جيداً، لكننا في وقت الأزمات نحتاج أن نمارس التسليم المطلق لله,
التسليم لأمر الله حين المصائب إدراك عميق بعجز الإنسان أمام قدرة الخالق وهو عجز يليق بإيمان مطلق بحكمة الله وتدابيره التي عجز العقل عن فهمها، وهنا بأتي تعلّم مهارة الرضا والتسليم المطلق لله.
والفقد مثال قاس، لكن هناك أمثلة أخرى تستوجب التسليم المطلق بدلا من ترديد العبارات التي حفظناها دون استشعار، مثل فقد منصب أو وظيفة مرموقة أو فقد فرصة تعليم مميزة..
كل المصائب نردد فيها أن الخير فيما اختاره الله، لكن هل نكون راضين بقدر الله دون جزع!!
وكيف نتدرّب عمليًا على التسليم والرضا؟
ومشاعرنا مرتبكة ما بين حزن وغضب وإحباط ؟!
وهنا يأتي دور العلاقة مع الله حين تقترب منه وتسأله كل الأسئلة التي تخنق روحك بقلب موقن مؤمن بتدابيره.
لقد علمتني الحياة بتجاربها الصعبة أن التسليم لله هو تدريب النفس في الأمور الصغيرة قبل الكبيرة، فحين يتعطل أمر بسيط كنا ننتظره، يمكن أن نقول لأنفسنا لعل في الأمر خيرًا لا أراه الآن، هذه الجملة البسيطة تفتح نافذة واسعة من الطمأنينة.
لكن لماذا يصعب علينا التسليم؟
لأن الإنسان يحب السيطرة على حياته، يحب أن تسير الأمور كما خطط، لكن الحياة بطبيعتها غير قابلة للسيطرة الكاملة، ومن هنا يبدأ التوتر بين ما نريده نحن و ما يحدث فعلاً.
وهنا ينبغي أن نفهم أن الرضا ليس شعورًا فوريًا يولد في اللحظة التي نقول فيها الكلمات المطمئنة، بل هو حالة تنضج في القلب مع الوقت، ومع التجارب القاسية، ومع كل موقف نختار فيه الثقة بدل الجزع، يبدأ القلب بالتعلّم، يتسع داخله مكان للطمأنينة.
ويبدو الأمر أكثر صعوبة في تدريب أولادنا على مهارة الرضى والتسليم المطلق لله.
ولعل من أهم التمارين النافعة ما يسمى إعادة المعنى أو إعادة التأطير النفسي «Reframing».
هذا التمرين مفيد لتغيير المنظور الفكري والمشاعري والروحي تجاه أي فكرة سلبية.
يتدرب الإنسان على أنه عندما يحدث أمر مزعج، يسأل نفسه. ما الخير المحتمل الذي قد يكون في هذا الأمر؟
ليس المطلوب أن يجد الإنسان الجواب فورًا، بل هي عملية تعويد العقل على فكرة وجود حكمة قد لا ندركها وقت الأزمة.
هذا التمرين يدرّب القلب على الانتقال من: لماذا حدث هذا، إلى ماذا يمكن أن يكون فيه من خير.
وكذلك تدريب الأبناء على ممارسة الامتنان، حينما يتدرب أولادنا وهم أطفال على كتابة على الأقل ثلاثة أشياء جيدة حدثت في يومهم، حتى لو كانت بسيطة. يعيد ذلك توجيه الانتباه مما فقدناه إلى الذي ما زال موجودًا في حياتنا.
وهناك أيضا تمرين الثقة بالتجارب الماضية، وهو عملية إعادة تقييم واعية للإنجازات بدلا من التركيز على الفشل وقت الخسارة، إذ يتعلم أولادنا أنه عند الأزمات عليهم أن يتذكروا على الأقل موقفًا قديمًا ظنوه سيئًا في البداية، ثم اكتشفوا بعد سنوات أنه كان خيرًا لهم.
هذا التمرين يبني ذاكرة الثقة بالله.
ربما لن نفهم دائمًا: لماذا تحدث بعض الأشياء في حياتنا، لكن التسليم المطلق لله يعلّمنا شيئًا أعمق من الفهم، يعلمنا الثقة في أن ما يختاره الله لنا يحمل حكمة، حتى إن تأخر فهمها، وأن القلب الذي يتعلّم التسليم لا يعيش بلا ألم، لكنه يعيش بطمأنينة رغم الألم.