عبدالرحمن الحبيب
يبدو أن نظرية «صدام الحضارات» للمفكر صموئيل هنتنغتون تعود للطرح من جديد ونحن نقف على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل في العلاقات الدولية والنظام العالمي الذي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة (1989)، والذي يواجه تحدياً يتنامى تدريجياً من قبل الصين وروسيا، إلا أن ما حسم الأمر لبداية نهاية النظام الحالي هو أن الولايات المتحدة، التي كانت في تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة المدافع الأكبر عنه قد خرجت من أغلب المنظمات الدولية.
كان الجو العام للنظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة أن حل النزاعات يتم بالمفاوضات مع عدم شن الحرب إلا بالرجوع للمنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة، ورغم أن هذا النظام قد لا يكون عادلاً إلا أن المنظمات الدولية ظلت هي المرجعية ولو شكلياً، كما فعلت أمريكا في البلقان في التسعينيات، والعراق عام 2003، وليبيا عام 2011، رغم أن التصويت بالرفض لم يمنع الولايات المتحدة من فرض خيارها.
النظام العالمي الذي ظهر في التسعينيات استند إلى ركائز يطرحها المؤرخ السياسي نيلز غيلمان المدير التنفيذي لمعهد بيرغروين للأبحاث بلوس أنجلس، على النحو التالي: (أ) عدم جواز إعادة رسم الحدود الدولية بالقوة؛ (ب) تطبيق مبدأ السيادة الوطنية؛ (ج) تبني التكامل الاقتصادي والمالي العالمي من قبل الجميع، لأن التجارة الحرة والنزيهة ستعود بالنفع على جميع الأطراف؛ (د) حل النزاعات بين الدول من خلال مفاوضات قانونية عبر مؤسسات متعددة الأطراف، وكانت منظمة التجارة العالمية عام 1995 التجسيد المؤسسي الأبرز لهذا المبدأ.
في بداية تلك المرحلة برزت على الساحة العالمية نظريتان متناقضتان، وهما: «نهاية التاريخ» للمفكر فرانسيس فوكوياما، و«صدام الحضارات» لهنتنغتون، في حين توقع فوكوياما أن نهاية الحرب الباردة تبشر بسلام دائم بين الدول المتحالفة على المبادئ العامة للديمقراطية والرأسمالية المُدارة (ما أسماه فوكوياما «الشكل النهائي للحكم البشري»)، ردَّ عليه أستاذه هنتنغتون بعالم يتسم باستمرار الصراع، وإن كان على محاور مختلفة تمامًا.
وخلال العقدين الأولين بعد نهاية الحرب الباردة، عمل النظام الدولي بين القوى الكبرى في الغالب ضمن الإطار المعياري الذي وضعه فوكوياما، وحُوكِمَت النزاعات التجارية إلى منظمة التجارة العالمية، وحظيت أحكامها عمومًا بالاحترام؛ فكان لهذه الرؤية دعماً من المفكرين الغربيين خاصة مع الإصلاحات التي شهدتها روسيا في عهد بوريس يلتسين والصين في عهد جيانغ زيمين، بينما تعرضت نظرية هنتنغتون لنقد شديد ولم تكن مستساغة في زمن العولمة رغم أنها حظيت باهتمام أكبر وانتشار عالمي واسع.
إنما عام 2014 كان بداية النهاية للنظام الدولي حسب المؤرخ غيلمان الذي يذكر أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم مثَّل قانونيًا قطيعةً صريحةً ورفضًا واضحًا لأحد أركان النظام الدولي الليبرالي. وحالياً نستمع إلى طروحات الرئيس الأمريكي بضم جرينلاند أو حتى كندا، فضلا عن اعتقال الرئيس الفنزويلي دون الرجوع ولو شكلياً للمنظمات الدولية، فضلاً عن القرارات المخالفة لمنظمة التجارة العالمية التي كانت أمريكا أكبر داعميها.
مع احتضار النظام الحالي، يطرح غيلمان السؤال المحوري: ما طبيعة النظام الجديد الذي يكافح من أجل الظهور؟ ويجيب بأنه مهما كانت التسمية التي ستُطلق على هذا النظام الجديد، فإن سماته المميزة ستشمل مبدأ الربح والخسارة في الاقتصاد الدولي، وسياسات القوة التي طرحها المؤرخ اليوناني القديم ثوقيديدس التي «يفعل فيها الأقوياء ما في وسعهم، ويتحمل الضعفاء ما يجب عليهم تحمله»، وتأكيدات قوية لسياسات الهوية التي تتمحور حول «الدول الحضارية».
يطرح غيلمان أن فكرة «صدام الحضارات» لم تكن خاطئة تماماً، بل كانت سابقة لأوانها، إذ يرى هنتنغتون أن الانقسامات التي سادت خلال الحرب الباردة بين الشرق الشيوعي والغرب الديمقراطي، وبين الشمال العالمي الغني والجنوب العالمي الفقير «لم تعد ذات صلة»، وأصبحت الجهات الفاعلة الجيوسياسية الحاسمة الآن «حضارات» وستزداد أهمية الهوية الحضارية في المستقبل، وسيتشكل العالم إلى حد كبير من خلال التفاعلات بين سبع أو ثماني حضارات رئيسة، قد تشمل الحضارات: الغربية، والكونفوشيوسية والبوذية، واليابانية، والإسلامية، والهندوسية، الأرثوذكسية، واللاتينية، وربما الإفريقية.
حسب هنتنغتون ستقع أهم صراعات المستقبل على طول خطوط الصدع الثقافي التي تفصل هذه الحضارات عن بعضها البعض، لأن الهويات الجماعية، القائمة على تمييزات ثقافية بغيضة، راسخة وستزداد وضوحًا مع انحسار أيديولوجيات العولمة التي سادت خلال الحرب الباردة، وسيُشكّل التركيز على الاختلاف الثقافي أساسًا لعداء لا ينتهي، وسيكون العداء للمهاجرين السمة المميزة للسياسات الداخلية في نظام عالمي يُحدّده صدام الحضارات.
طبعاً ثمة نقد لهذه النظرية خاصة عدم اتساق مفهوم الحضارة مع القوميات المعاصرة رغم أن هنتنغتون نفسه أقر بأنه مفهوم مرن، كما يُلاحظ أن العديد من أعنف الصراعات في تلك الحقبة كانت حروب ضارية داخل الحضارات وليس بينها مثلما يحدث في أنحاد الشرق الأوسط وأفريقيا؛ لكن بالمقابل - حسب غيلمان - بدأت بعض القوى تُعرّف نفسها بالمصطلحات الحضارية، وبضرب مثلاً بكل من بوتين وشي اللذين يصفان روسيا والصين علنًا بأنهما «حضارتان» لهما قيم مميزة تتفوق على قيم الديمقراطيات الغربية.
إذا كان هناك خلل واضح في نظرية هنتنغتون، فعلى الأقل لديها ما يثير الاهتمام والمراجعة بشأن ملامح النظام الجديد قيد الإنشاء.