د. ناهد باشطح
فاصلة:
(تنص القاعدة الأولى على «ألا أقبل شيئا على أنه حق ما لم أعرف يقيناً أنه كذلك»)
-رينيه ديكارت-
إذا اعتبرت أن رمضان شهر السكينة والهدوء فسوف يكون كذلك، ولعل من أجمل ما يمكن أن يثريك في رمضان أن تحدد بينك وبين نفسك معصيات تقرر أن يساعدك الله للتطهر منها.
يلفتني في رمضان أننا نركز على فعل ما يرضي الله من الطاعات فقط، فماذا عن المعاصي والتي أشهرها معصية للأسف منتشرة..
ماذا عن الحكم المسبق على الآخرين؟!
شخص حكمنا عليه من مظهره.. ثم اكتشفنا أنه مختلف تمامًا.
موظف دخل مجلس وهو مقتنع أن «مديره متكبر» ثم اكتشف أنه هو من يقرأ نوايا الآخرين.
والامثلة كثيرة على تسرعنا بإطلاق أحكام على الآخرين وهي غالبا أحكام سلبية دون دلائل
والسؤال: لماذا نحكم بسرعة؟
هناك عدة أسباب نفسية مثل:
إن الدماغ يحب الاختصار (الأحكام المسبقة توفر طاقة التفكير)، التجارب السابقة الغير معالجة، الخوف من المختلف، التربية والبرمجة الثقافية، الرغبة في الشعور بالتفوق أو الأمان.
لو تأملنا في أي حكم نحكمه على الآخر وتساءلنا: هل نحن نحكم عليه أم عن مخاوفنا نحن.
لو ركزنا في آثار الحكم المسبق لوجدنا أنه: يقتل العلاقات قبل أن تبدأ، يمنع فرص الشراكة، يحجب التعاطف، يعزل الإنسان داخليا ويجعلنا نعيش في عالم ضيق جدًا.
كل حكم مسبق هو باب أغلقناه قبل أن نعرف ماذا خلفه. لقد اهتم الباحثون بهذا البعد السلبي للأحكام المسبقة، ففي كتاب ثيودور أدورنو (الشخصية السلطوية) المنشور عام 1950 تم إعداد بحث جماعي تناول الحكم المسبق كنتاج لنظام تعليمي صارم وسلطوي، ثم أتى بعده كتاب جوردن البورت (طبيعة الحكم المسبق) المنشور عام 1954 الذي كشف أن التحامل المستند على الحكم المسبق يظهر من خلال العمليات الذهنية و تصنيف الآخرين الذي يؤدي إلى إنتاج تصورات جاهزة وتعميمات اعتباطية.
ثم قدم هنري تاجفيل مقترحا لدراسة العمليات التي تقود إلى اتخاذ مواقف تمييزية تجاه الأفراد والجماعات التي تختلف عنا.
إن الأحكام المسبقة اليوم أكثر من أي وقت مضى، تنتقل وتنتشر وتصبح أكثر قوة عبر وسائل الإعلام، فنطلق الأحكام على المؤثرين والمشاهير دون أدني اعتبار إلى أن هذا معناه تصنيفهم ووضعه في قالب اخترناه دون دليل فقط لأنهم ظهروا بما هو مختلف عنا
جرب قبل أن تقدم حكما سلبيا مسبقا على شخص ما أن تتساءل هل يحق لك هذا الحكم وماذا سيكون تأثيره على الشخص لو عرفه؟
الحكم المسبق يصنف الشخص، يختزل هويته في خطأ نحن لا نعرف تاريخه.
أحيانًا.. ما نسميه نقداً هو في الحقيقة تفريغ غضب أو إحساس بالتفوق مواقع التواصل الاجتماعي جعلتنا نرى الناس دون سياق.
نرى 30 ثانية، صورة معدلة، لحظة غضب
لكننا لا نرى طفولة من في الصورة صراعاته، نواياه، ضعفه
فهل من العدل أن نحكم على حياة كاملة من مشهد؟
والبعض يبرر الحكم المسبق على المشاهير بأنهم مجاهرون بالمعصية
المحاسبة شيء، والتشهير والتلذذ بالإسقاط شيء آخر.
ليس كل من جاهر بخطئه… أسقط حقه في إنسانيته.
أن ترفض الفعل لا يعني أن تنزع الرحمة، لأن الوعي الحقيقي لا يُقاس بقدرتك على الإدانة.. بل بقدرتك على التمييز دون قسوة.