عادل علي جودة
هنالك دعوة لا يمكنك التردد في تلبيتها، بل تجد نفسك على درجة عالية من الترقب بلهفة، وتتحسس جوانحك تسبق قلمك لتلبيتها كما لو أن المناسبة تعانق فيك همتك، ومحبتك، وانتماءك.
على هذا النحو وأشد كانت مشاعري تجاه دعوة كريمة من سيد الذوق، والرقة، والأناقة؛ سعادة الشيخ صباح ناصر صباح الأحمد الصباح؛ سفير دولة الكويت لدى المملكة العربية السعودية، لحضور حفل الاستقبال بمناسبة العيد الوطني (65) ويوم التحرير (35)، الذي أقامته السفارة مساء يوم الأربعاء 23 شعبان 1447هـ الموافق 11 فبراير 2026م بقاعة (نياره للاحتفالات والمؤتمرات) في مدينة الرياض، فما أن حان الوقت، حتى وجدتني في رحاب ذلك الاستقبال المهيب من لدن سعادته؛ حفظه الله، لقد كان الأمر مذهلًا؛ استقبالًا باهيًا، وحفاوة نادية، وتنظيمًا راقيًا، وفعاليات تحبس الأنفاس، ووداعًا ينقش معالمه على جدار الذاكرة بخيوط من نور، ولن أزيد، فالمشاهد أعمقُ دِلالةً وأدقُ فصاحة.
وهنا لا يسعني إلا أن أجدد التبريكات لدولة الكويت الماجدة بمناسبتيها الغاليتين؛ العيد الوطني المجيد، ويوم التحرير السعيد، موثقًا عظيم اعتزازي بحضنها الدافئ لفلسطين؛ الأرض، والتاريخ، والمقدسات، وبمواقفها النبيلة المشرفة الثابتة تجاه الشعب الفلسطيني، وبدعمها المطلق غير المحدود للقضية الفلسطينية العادلة عبر مختلف المحافل المحلية، والإقليمية، والدولية.
ولما انتهى حفل الاستقبال، غادرت (نياره) بفرحة تملأ كياني للكويت وأهلها، إلا أن الفرحة سرعان ما تبددت، ثم تبدلت، لتصبح حزنًا عميقًا يجتاح قلبي، فيرتجف جسدي، وتخرّ قواي، ودمعة تفرّ من عيني مستسلمة لتنهيدة حرّى أشعلت النار في فؤادي، فألزمتني التوقف إلى جانب الطريق؛ أتأمل حجم اشتياقي لأهلي، وأحبتي، وتراب أرضي، وبحر دير البلح، وتلك الغرفة التي آوت عشرة أفراد؛ هم: والدي، ووالدتي، وإخواني الأربعة وأخواتي الثلاثة ثم (أنا) وترتيبي الخامس بينهم، في مخيم دير البلح في قطاع غزة، وأتحسس متاهات اغترابي عن كل ذلك على امتداد ما يقارب الخمسين سنة من عذابات الترقب والانتظار لغاية وحيدة تُسمى التحرير والحرية، فإذ بي أصارع أوجاع النكبة والنكسة، وأحداثهما تتجدد اليوم على أرض غزة الصمود والإباء؛ قتل وتدمير، نزوح وتجويع، وبرد تتصلب من شدته الشرايين، وطفولة تتناثر أشلاؤها، ونسوة تتعرَّى أجسادهن تحت الركام، وشيوخ بالكاد يحملون أجسادهم متجهين مشيًا على أقدامهم المنهكة إلى حيث الأمان المزعوم، وعالم أعمى لا يبصر، متبلد لا يحس، وقيادات لم تزل في تيهها وفي غياهب شتاتها؛ وليعذرني الأحبة؛ إذ لا مسؤولية، ولا حكمة، ولا بصيرة، وأمة صامتة؛ تعاني اختراق الأعداء لها وتغلغلهم في تفاصيلها، حتى أصبحت بلا حول ولا قوة، لا تقوى على إدخال العون إلى غزة؛ فلا لقمة تنقذ من جوع، ولا حبة دواء تعالج الداء أو تسكّن الأوجاع، ولا خيمة تُؤوي العرايا المشتتين المشردين، وطفل ينجح رجال إسعاف؛ أنهكهم التعب والسهر، في إخراجه من تحت الأنقاض ليقف على حقيقة قاتلة تُبقي والديه وإخوته في عمق الدمار دون قدرة على الإنقاذ حتى الموت، وأمثاله عشرات الآلاف، وأمثال والديه وإخوته بمئات الآلاف، وقطاع غزة بات بلا معالم؛ فلا أبراج بقيت، ولا مدارس، ولا مستشفيات، ولا مساجد، ولا كنائس، ولا مخابز، ولا مؤسسات، وفي الأثناء مؤامرات غربية على أعلى مستوى تُحاك مع أعداء الأمة لتحقيق هدف التهجير على مرأى العين ليس فقط من قطاع غزة، بل ومن الضفة الغربية كذلك، وبالتالي يُحرم الشعب الفلسطيني من حقه في أي شبر من فلسطين التي ستصبح «إسرائيل»، ثم يُطرد أو يُلقى فريسة لأسماك البحار والمحيطات، ونحن في سبات أو مَوات لا نحرك ساكنًا.
وتبقى التساؤلات دون إجابات؛ إلى متى؟ هل من معين لإنهاء ما تواجهه غزة وأهلها من معاناة؟ هل من عين تدمع، أو أذن تسمع، أو قلب يخشع؟ هل من صحوة ضمير توقف هذه المهزلة؟ والتساؤل الأعظم؛ وماذا بعد؟
عذرًا يا كويت، عذرًا شيخنا الفاضل سعادة السفير؛ فهمسة تقديري وامتناني لكم جللتها أحزاني على صراعات أهلي وأحبابي في غزة المكلومة.
عذرًا يا كويت، وشكرًا من القلب لكم سعادة السفير الشيخ صباح ناصر صباح الأحمد الصباح، على استقبالكم الباسم الذي ملأني فخارًا واعتدادًا بقلبي الفلسطيني النابض انتماءً للكويت ومحبةً لأهلها الكرماء، وشكرًا أجلله بعاطر مودتي للفريق الدبلوماسي والإداري من حولك؛ كل باسمه، وظيفه، ومكانته، وأخص بالذكر سكرتيرة بعثة شؤون الإعلام والاقتصاد الأديبة الفاضلة مها الحربي.
وكل عام والكويت؛ أميرًا، وحكومةً، وشعبًا، في خير وأمن ورخاء، والعقبى لفلسطين، ولشعبها الأبي الصامد الصابر الذي سيبقى على إيمانه بالله سبحانه وتعالى، ويقينه بعدالة قضية، وثقته الراسخة بأن ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة ولو بعد حين.
سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.
** **
- كاتب فلسطيني