د. طارق بن محمد بن حزام
يمثِّل يوم التأسيس السعودي علامةً فارقةً في الذاكرة الوطنية، ومحطةً للتأمل في مسيرة هذا الوطن منذ البدايات الأولى حتى الحاضر المزدهر. فهذه المناسبة ليست استحضارًا للماضي فحسب، بل قراءة واعية للمعاني العميقة التي صاغت هوية الأرض والإنسان عبر تاريخ ممتد.
ويذكِّرنا يوم التأسيس بأن بناء الأمم لا يتحقق بالصدفة، بل يحتاج إلى إرادة صلبة ورؤية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة نحو آفاق المستقبل. فمنذ البدايات تشكَّلت قصة هذا الوطن على قيم الكفاح والوحدة بعد التفرّق، والاستقرار بعد الاضطراب، حتى أصبحت هذه البلاد نموذجًا في التماسك الحضاري والانتماء المتجذِّر في منظومة القيم.
إن الاحتفاء بهذه المناسبة لا ينبغي أن يقتصر على المظاهر، بل يجب أن يكون استشعارًا لمعنى الانتماء ومسؤولية صيانة المنجز الوطني. فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو ذاكرة مشتركة، وتاريخ حيّ، وعقد إنساني يقوم على التراحم والتكامل بين الإنسان وأرضه.
وتتجلَّى قوة الأوطان في ما يرسخ في وجدان أبنائها من الوفاء والانتماء، وفي ما تحمله الأجيال من تقدير لتاريخ صنعه الأجداد، وحمله الأبناء مسؤوليةً ومسارًا نحو البناء والتنمية المستدامة. فالأمم العظيمة لا تُقاس فقط بمواردها، بل بما تزرعه في النفوس من قيم العمل والعطاء والإبداع.
ويؤكد يوم التأسيس للعالم أن المملكة ليست دولة حديثة الإنجاز فحسب، بل هي امتداد لتاريخ حضاري عريق، يجمع بين أصالة الجذور وسمات الحاضر المتجدد، لتقدم نموذجًا في التوازن بين الهوية الوطنية ومتطلبات العصر.
وفي زمن التحولات المتسارعة يبقى استلهام روح التأسيس دعوةً إلى المحافظة على المكتسبات الوطنية، وتعزيز قيم العمل والإبداع، وترسيخ الهوية في مسار التنمية الحديثة، ليظل الوطن حاضرًا بقوته، ممتدًا بإنجازه، ومضيئًا بطموح أبنائه وأجياله القادمة.