د. سطام بن عبدالله آل سعد
في الأخبار الكبيرة يتوقف القارئ عند الرقم ثم ينتقل إلى الخبر التالي، غير أن مئة وخمسين مليون ريال رقمٌ لافت، والقصة أعمق من الأرقام؛ فماذا يعني أن تتقدَّم القيادة مشهد العطاء في ملف يمس استقرار الأسرة مباشرة؟
إن تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، -حفظه الله- وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، -حفظه الله- حملة «الجود منّا وفينا» عبر منصة «جود الإسكان»، إشارة سياسية واجتماعية تؤكد أن السكن جزء من منظومة الأمن الوطني الشامل، وأن المملكة تجعل تحصين الأسرة داخل مدنها أولويةً تسبق تشييد العمران؛ فالعمران يعلو حين يستقر الإنسان.
الإسكان التنموي، الذي كان يُنظر إليه بوصفه ملفًا خيريًا تقليديًا، تحوّل إلى رافعة للاستقرار الاجتماعي؛ فحين تحصل أسرة محدودة الدخل على مسكن ملائم تُغلق أبواب كانت قد تُفتح على تعثرٍ تعليمي، وتوترٍ أسري، وضغطٍ نفسي، وضعفٍ في الإنتاجية.
ومنصة «جود الإسكان» تمثِّل نموذجًا حديثًا في إدارة العمل المجتمعي؛ إذ تنقل التبرع من العفوية إلى المؤسسية، ومن المبادرات الفردية إلى شبكة وطنية منظمة، فيتحول العطاء إلى شراكة بين الدولة والمجتمع، ويتحوّل المتبرع إلى شريك في مشروع تنموي ممتد.
وهنا يبدأ دور الباحثين؛ فالأثر غير المرئي يحتاج إلى قياسٍ وتحليل: ما الذي يتبدّل في الاستقرار الأسري بعد تملُّك المسكن؟ وكيف ينعكس ذلك على تحصيل الأبناء؟ وما أثر الاستقرار السكني في الادخار والانخراط في سوق العمل؟ فالسكن ليس جدرانًا، بل بيئة استقرار وإنتاج. واستثمار الاستقرار السكني أقل كلفة من معالجة الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي لاحقًا.
وفي سياق رؤية المملكة 2030، التي رفعت سقف الطموح في التملُّك وجودة الحياة، تعزِّز هذه المبادرات البعد الاجتماعي للتنمية؛ فالتنمية الاقتصادية تزداد صلابة بقاعدة اجتماعية مستقرة، ومع تكامل السياسات الإسكانية ومنظومة التكافل يتشكَّل مشروع وطني متماسك.
الدعم القيادي يتجاوز قيمة المبلغ إلى ترسيخ ثقافة عامة ترى الاستقرار الأسري مسؤولية وطنية مشتركة، وهو ما يفتح المجال أمام القطاع الخاص والأفراد للمشاركة بوصفهم جزءًا من هذا النسق التنموي.
قد تبدو هذه الأبعاد بعيدة عن القارئ العادي، غير أن أثرها حاضر في تفاصيل حياته؛ في طفلٍ يذاكر مطمئنًا، وأبٍ يعود إلى منزله مستقرًا، وأمٍّ تجد في بيتها أمانًا، وفي هذه التفاصيل تتجسَّد التنمية الحقيقية كتغيير جميل يصنع مستقبل الوطن.
جودُ الملوكِ هو نموذج لقرارٍ سياسيٍّ يتحول إلى أثرٍ اجتماعيٍّ مستدام، وتقع على الجامعات ومراكز البحوث والدراسات مسؤولية دراسته وتحليله والبناء عليه؛ فالدول التي تفهم الأثر الاجتماعي لسياساتها تملك مفاتيح استدامة نجاحها.